مع انتهاء العمل بالتوقيت الصيفي في الأحد الماضي، أعادت العديد من الدول عقارب الساعة 60 دقيقة إلى الوراء. وعلى الرغم من تزايد الأصوات الداعية إلى إلغاء تغيير التوقيت، إلا أن مقترحات تشريعية طُرحت للإبقاء على التوقيت الصيفي بشكل دائم. غير أن بحثًا جديدًا يحذر من أن هذا الإجراء قد يهدد سلامة الأطفال. ونُشرت الدراسة يوم الخميس في مجلة "Current Biology"، حيث ركزت على تأثير التوقيت الصيفي الدائم على تنقلات الطلاب إلى مدارسهم. وقام باحثون من جامعة واشنطن بتحليل مواعيد بدء الدوام في أكثر من 16 ألف مدرسة موزعة على 14 ولاية، تستوعب حوالي 8.6 مليون طالب. ولتوضيح نتائج البحث والاستعداد للتغييرات القادمة، أجرت CNN مقابلة مع الدكتورة ليانا وين، طبيبة الطوارئ والأستاذة المساعدة في جامعة جورج واشنطن، والمفوضة السابقة للصحة في بالتيمور وأم لطفلين.
سُئلت الدكتورة وين: ماذا يحدث عند انتهاء التوقيت الصيفي في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، ولماذا يتم تغيير الساعة مرتين سنويًا؟ فأجابت: في الثانية فجر يوم الأحد، تعود الساعة 60 دقيقة إلى الوراء لتصبح الواحدة صباحًا. ونتيجة لذلك، تشرق الشمس وتغرب قبل موعدها الأصلي بساعة، مما يزيد من ساعات الإضاءة النهارية صباحًا ويحضر الظلام مبكرًا مساءً. ويهدف التوقيت الصيفي إلى تمديد ساعات الضوء مساءً خلال الأشهر الدافئة، حيث يبدأ في الأحد الثاني من مارس/آذار وينتهي في الأحد الأول من نوفمبر/تشرين الثاني. ويثير تغيير التوقيت مرتين في السنة جدلًا واسعًا بسبب تأثيره على أنماط النوم والروتين اليومي. ويُعد الانتقال إلى التوقيت الصيفي في الربيع أكثر صعوبة، إذ يفقد الناس ساعة من النوم، بينما يكسبون ساعة في الخريف. ومع ذلك، قد يسبب هذا التغيير اضطرابًا في النوم، خاصة لدى الأطفال الصغار الذين اعتادوا على مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ.
وعن المخاطر المحتملة التي كشفتها الدراسة على سلامة الأطفال أثناء توجههم إلى المدارس، قالت وين: قارن الباحثون عدد المرات التي يغادر فيها الأطفال منازلهم قبل شروق الشمس سنويًا، بناءً على ثلاثة سيناريوهات. وقدّر الباحثون أن السيناريو الأخير سيؤدي إلى 356 مليون رحلة إضافية إلى المدارس قبل شروق الشمس سنويًا في الولايات الـ14 المشمولة بالدراسة، وأكثر من ملياري رحلة إذا طُبّق هذا التقدير على مستوى الولايات المتحدة بأكملها. كما حللوا أكثر من 10 آلاف حادث سير مميت وقع خلال العام الدراسي بين السابعة والثامنة والنصف صباحًا، في جميع أنحاء البلاد بين عامي 2015 و2024، لتقييم مخاطر التنقل في العتمة. وأظهرت النتائج أن احتمال وقوع حوادث تشمل مشاة قبل شروق الشمس أعلى بنسبة 77% مقارنة بالفترة اللاحقة. وبين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و18 عامًا، يزيد احتمال تعرضهم للدهس في الظلام بأكثر من الضعف، مما يشير إلى مخاطر حقيقية لاعتماد التوقيت الصيفي طوال العام. ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة اعتمدت التوقيت الصيفي الدائم لفترة وجيزة خلال أزمة الطاقة عام 1974، لكنها تراجع عن القرار بعد أشهر، جزئيًا بسبب المخاوف من توجه الأطفال إلى المدارس في الظلام.
ولماذا يكون الأطفال أكثر عرضة لحوادث السير في الصباح المظلم؟ توضح وين أن صعوبة رؤية السائقين للمشاة في الظلام، خاصة الأطفال لصغر أحجامهم، تزيد من خطر تعرضهم للحوادث أثناء عبور الطرق المؤدية إلى المدرسة أو مواقف الحافلات. كما يواجه الأطفال الأصغر سنًا صعوبة في تقدير سرعة السيارات والمسافة التي تفصلهم عنها، وقد يصعب توقع تصرفاتهم عند عبور الطرق. أما المراهقون الذين يقودون إلى مدارسهم، فتزيد قلة خبرتهم من مخاطر تعرضهم للحوادث. لكن الدراسة لم تختبر تغيير التوقيت وقياس أثره الفعلي على الحوادث، بل قدّرت المخاطر بالاستناد إلى مواعيد بدء الدوام وأوقات شروق الشمس وسجلات الحوادث السابقة. كذلك، افترضت أن الدوام يبدأ عند الثامنة صباحًا في أنحاء البلاد، رغم أن مدارس كثيرة تبدأ في وقت لاحق. وترى وين أن النتائج تثير مخاوف جدية بشأن السلامة، خصوصًا لدى أطفال الأسر منخفضة الدخل، إذ يذهب بعضهم مبكرًا إلى المدرسة للمشاركة في برامج الإفطار، ويعتمدون بدرجة أكبر على المشي ووسائل النقل العام.
ما الحجج المؤيدة والمعارضة لاعتماد التوقيت الصيفي طوال العام؟ وهل يشكل التوقيت الشتوي الدائم بديلًا أفضل؟ تجيب وين: يوفّر التوقيت الصيفي الدائم مزيدًا من ضوء النهار مساءً، وهو ما يفضله كثيرون، وقد يحد أيضًا من حوادث اصطدام السيارات بالغزلان. في المقابل، يُتيح التوقيت الشتوي الدائم ضوءًا أكثر صباحًا، خلال توجّه الأطفال إلى المدارس والموظفين إلى أعمالهم. وتؤيّد منظمات طبية عدة، بينها جمعيات متخصصة في طب النوم، اعتماد التوقيت الشتوي طوال العام لتوافقه بصورة أفضل مع الساعة البيولوجية للجسم، التي تنظّم النوم واليقظة ووظائف أخرى. ويساعد ضوء الصباح على ضبطها وإرسال إشارات إلى الدماغ بأنّ وقت الاستيقاظ قد حان. ولا يزيد أي من الخيارين ساعات ضوء النهار، بل يغيّر توقيت الاستفادة منها والموازنة بين فوائد الضوء صباحًا ومساءً.
كيف يمكن للأهل الاستعداد لتغيير التوقيت المقبل وتهيئة أطفالهم، مع مراعاة تأثيره عليهم أيضًا؟ تنصح وين الأهل، خصوصًا ممّن لديهم أطفال صغار أو واجهوا صعوبة في التأقلم مع تغيير التوقيت، بتعديل مواعيد النوم تدريجيًا قبل الموعد بأيام عدة. فعندما تتأخر الساعة، قد يشعر الطفل المعتاد على النوم عند الثامنة مساءً بالنعاس عند السابعة وفق التوقيت الجديد. لذا، يُنصح بتأخير موعد نومه 15 دقيقة يوميًا خلال الأيام الأربعة السابقة للأول من نوفمبر/تشرين الثاني، مع تعديل مواعيد الوجبات والاستحمام والأنشطة المسائية. كما ينبغي تثبيت مواعيد الاستيقاظ، وتعريض الأطفال لضوء الشمس صباحًا وتشجيعهم على النشاط في الهواء الطلق، مع تجنب الشاشات واتباع روتين هادئ مساءً. ويمكن للبالغين اتباع الخطوات نفسها، إلى جانب المشي نهارًا وممارسة الرياضة بانتظام وتجنب الكافيين في وقت متأخر، للتخفيف من النعاس المبكر أو الخمول بعد الظهر. ومع حلول الظلام مبكرًا، يُنصح الأطفال الذين يعودون من المدارس سيرًا أو بالدراجات، أو يشاركون في أنشطة بعد الظهر، بارتداء ملابس عاكسة للضوء واستخدام مصابيح الدراجات، وعبور الطرق من الأماكن المخصصة، والتنقل برفقة شخص بالغ أو مجموعة من الأصدقاء.