تبرز سياسات الجامعات التي أبرمت شراكات ضخمة واستثمرت في البنية التحتية لشركة غوغل وأدواتها مثل Gemini for Education كنموذج رائد للتحوّل المؤسساتي. وافقت جامعات عامة كبرى مثل جامعة ولاية فلوريدا -حيث أعمل- على دمج هذه الأنظمة في صلب تجربة التعلم.
تتمحور هذه السياسة حول توفير "بيئة مغلقة ومحمية" لبيانات الجامعة والمستخدمين. بموجب هذه الاتفاقيات، تلتزم الشركات بعدم استخدام مداخلات الطلاب أو الأساتذة لتطوير نماذجها العامة أو الإعلانات. كما تتيح هذه الجامعات للطلاب والأساتذة، من الناحية التطبيقية، أدوات مهمة ومنظّمة للعمل وموفّرة للوقت مثل مساعد القراءة والمذاكرة الذكي Notebook Gemini ووكلاء غوغل الأذكياء المدمجين في بيئة العمل اليومية (Google Workspace)، بهدف إيجاد بيئة تعلّم عادلة ومتاحة مجاناً للجميع تمنع الفجوة الرقمية بين الطلاب.
بالنسبة إلى الطلاب، يُمثّل الذكاء الاصطناعي والوكلاء الأذكياء قوة دفع نحو التعلّم المخصّص المستمر وفرص تدرّب استثنائية. في بعض الجامعات يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير مساعد رقمي يعمل كمعلم خصوصي على مدار الساعة. هذا "الأستاذ الرقمي الذكي" يفسّر المفاهيم المعقّدة، ويبني خططاً دراسية تفاعلية، ويحاكي الاختبارات والتقييمات والمقابلات حتى بناء المنهج الرسمي الخاص بالاختصاص أو البرنامج التعليمي.
في تعليم المراحل المتقدّمة في اللغة العربية، يمكن استخدام "الأستاذ الذكي" مثلاً كصديق محادثة يستطيع معه الطالب أن يتكلّم اللهجة الشامية أو الدارجة ويطرح الأسئلة ويلقي الخطب. هذه الفرصة الذهبية تسهل على الطلاب الذين يريدون التمرّس والغوص في اللغة أن يتحدثوا بها من دون مغادرة مقاعدهم الجامعية أو بيوتهم. من ناحية أخرى، وبعد إثارة الكثير من المخاوف، هناك تطبيقات ذكاء اصطناعي قادرة على تقمّص الطالب كلياً مثل "أينشتاين" (Einstein AI)، بديل الطالب الذكي.
تم تسويق "أينشتاين" كـ"وكيل الواجبات المنزلية" المستقل. وبمجرد أن يمنحه الطالب إذن الوصول، يمكن للأداة تسجيل الدخول إلى نظام إدارة التعلّم (LMS) مثل Canvas، ومشاهدة المحاضرات المسجَّلة، وقراءة المواد الدراسية، وإنشاء مشاركات المناقشة والأوراق البحثية، وإكمال الفروض الدراسية، ثم تسليمها من حساب الطالب نفسه دون تمكّن الأستاذ المصحِّح أو الفريق التقني للجامعة من كشف ذلك.
ونظراً إلى أن هذا النشاط، يتم عبر تسجيل دخول اعتيادي ومن متصفّح المستخدم الخاص كإضافة برمجية موثوق بها، يمكن أن تبدو حركة مرور النظام وأنماط المصادقة مشروعة تماماً في سجلات النظام. يتاح للطالب، إذاً، نيل العلامات المتقدّمة والتخرّج من دون أن يمتلك بحق أياً من المهارات المؤهلة لسوق العمل والثقافة العامة. أما تكلفة استخدام الأداة، فهي 40 دولاراً أمريكياً في الشهر.
على إثر هذا الاكتشاف سارعت الجامعات ومنصات إدارة التعلم (LMS) إلى تطوير وسائل دفاعية، مثل مراقبة سجلات النشاط لكشف السلوكيات الآلية، مثل حل الاختبارات في ثوانٍ أو أنماط تسجيل الدخول الغريبة، بالإضافة إلى تفعيل متصفِّحات حظر الغش. لكن في الوقت عينه، وحمايةً للطلاب أو ربما للاستثمار، مُنع الأساتذة من استخدام الذكاء الاصطناعي لمحاولة كشف غش الطلاب بسبب النتائج الايجابية الكاذبة التي قد تسجّلها هذه الآلات، مع انحيازها الواضح ضد الطلاب غير الناطقين بالإنكليزية، كلغة أم، مما يعرّض الجامعات لقضايا تمييز قانوني.
النقاشات التي أشعلها "أينشتاين" في أواخر شباط/ فبراير 2026، لم تقتصر على الأساتذة بل واجهت الشركة المطوّرة له، Companion.ai، إجراءات قانونية سريعة تحذيرية بـ"إيقاف النشاط" لانتهاك العلامات التجارية ومخاوف الأمان الأكاديمي، مما أدّى إلى إقفال الموقع الرسمي للأداة وحجبه إلاّ أن تقنية الوكيل المستقل لا تزال متاحة.
يتخوّف الأكاديميون من اعتماد الطالب كلياً على الوكيل الذكي لحل الواجبات أو كتابة المقالات التعليمية من دون المرور بالعملية الإدراكية والعقلية اللازمة للفهم العميق والتفكير النقدي. هذا التحدّي دفع الجامعات إلى الانتقال من منع الأدوات إلى تدريب الطلاب على محو أمية الذكاء الاصطناعي، AI Literacy، لضمان استخدام الوكلاء كمحفزين للتفكير النقدي لا كبدائل عنه لضمان جهوزية الطلاب لسوق العمل المستقبلي.
كما أن عدداً من الجامعات بدأ بالفعل أو يدرس حالياً مجموعة من الاختصاصات والصفوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي رغبةً في خوض هذه المغامرة التقنية التي أصبحت واقعاً مفروضاً وخوفاً من التخلّف وعدم مواكبة التطوّر.
أسوةً بالطلاب المنقسمين حول الذكاء الاصطناعي، يجد الأساتذة أنفسهم أمام واقع مزدوج يجمع بين رغبتهم في استخدامه لتخفيف الأعباء الإدارية والضغط لإعادة ابتكار أساليب التقييم بحيث يصبح الغش مستحيلاً أو شبه مستحيل. في الجامعات العامة يستخدم الكثير من المدرسين وكلاء أذكياء كـ"مساعد تدريس رقمي" يتولّى صياغة مسودّات الاختبارات، وإعداد خطط المحاضرات، وتلخيص المقالات الطويلة، وتصنيف درجات التقييم الأولية.
وفي المقابل، يواجه الأساتذة تحدّياً كبيراً في الحفاظ على النزاهة الأكاديمية حيث أثبتت برمجيات كشف الانتحال التقليدية فشلها أمام النصوص المولدة ديناميكياً بواسطة الوكلاء الأذكياء. بناءً على ذلك، تتجه السياسات التعليمية نحو تدريب الأساتذة على تغيير "تصميم المهام الدراسية" عبر تبنّي التقييمات الشفهية، والمشاريع التطبيقية، والاختبارات القائمة على التفكير التحليلي داخل قاعات الدراسة، بدلاً من المقالات المنزلية التقليدية التي يسهل تفويضها للوكلاء الرقميين، وذلك من أجل قطع الطريق أمام استخدام الطالب الذكاء الاصطناعي في واجباته الأكاديمية الوازنة لنجاحه، غير أن هذا يستلزم جهداً ووقتاً إضافيين من المدرّس الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بدوره طمعاً في ترشيد الوقت. هي التفافة دائرية غير منتهية.
من ناحية أخرى، طلبت الجامعة من الأساتذة عدم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الترويج لصفوفهم أو للفاعليات الثقافية الجامعية بعدما أثبتت الدراسات ميل الطلاب إلى التشكّك في الإعلانات المولدة بالذكاء الاصطناعي لكونها تفتقر الصدقية وتشوبها الأخطاء، وذكّرت الجامعة المدرسين أن الطلاب يتوقّعون من أساتذتهم أن يبذلوا الوقت والجهد في الترويج لصفوفهم ولفاعليتهم. وهنا أسأل: ألا يتوقّع الأساتذة المثل من طلابهم؟
سؤال آخر يهيمن في النقاشات الأكاديمية حول الذكاء الاصطناعي وهو: من يملك المحتوى التعليمي الذي يستحوذ على خطة الفصل العامة والمفصَّلة يومياً أو أسبوعياً وخطط الدروس وصفحات العرض وتسجيلات المحاضرات في كل مرة يشارك الطالب أياً منها مع الوكيل أو التطبيق؟ لهذا يتخوَّف الأساتذة من استخدام هذه المواد لتوليد كورسات كاملة ذاتية الإدارة بالذكاء الاصطناعي مستقبلاً دون حاجة للأستاذ الأصلي أو دفع حقوقه الفكرية. في الأثناء، تعمل نقابات المدرسين على صون الملكية الفكرية للأساتذة فيما تدّعي الجامعات أنها من يملك حقوق الكورسات والمواد التدريسية التي يطوّرها أساتذتها.
حتى الساعة، يبدو المشهد الأكاديمي حاضناً للذكاء الاصطناعي رغم التخوّف. فهل يصبح التعليم مقتصراً على وكلاء الذكاء الاصطناعي مع افتقار الطلاب التام لكيفية البحث عن أجوبة بطريقة مستقلة؟ وهل تتحقّق رؤية بتلر الاستشرافية ويصبح العالم مكاناً يغزوه الجهل والتخلّف وغياب القدرة على التخطيط والتصميم والتنفيذ والنقد والإصلاح؟