قد تبدو عبارة تشجيعية قصيرة شيئًا بسيطًا، لكن تأثير الكلمات الإيجابية على الدماغ قد يبدأ قبل أن نلاحِظ أي تغيّر في سلوكنا. عندما يقول لنا شخص: أنت قادر على فعل ذلك، أو استمر فأنت تسير بشكل جيد، لا تصل هذه الكلمات إلى آذاننا فقط، بل تدخل في منظومة معقدة من معالجة اللغة والمشاعر والانتباه.
وهنا يبرز سؤال مثير للاهتمام: هل يمكن لعبارة نسمعها قبل أداء مهمة معينة أن تغيّر الطريقة التي نركّز بها على ما يَحدث أمامنا؟
شارك في الدراسة 24 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و27 عامًا، واستمعوا إلى ثلاثة أنواع من العبارات: إيجابية تشجيعية، ومحايِدة، وسلبية تثبيطية.
بعد سماع كل عبارة، طُلب من المشاركين تنفيذ مهمة بصرية، وهي اكتشاف هدف محدد على الشاشة، لمعرفة ما إذا كانت الكلمات تؤثّر على طريقة معالَجة الدماغ للمعلومات البصرية.
ولقياس تأثير الكلمات الإيجابية على الدماغ والكلمات بشكل عام، استخدَم الباحثون تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، ودرَسوا إشارات تُعرف باسم كمونات الدماغ المرتبطة بالأحداث (ERP)، والتي تساعد على معرفة توقيت استجابة الدماغ للمعلومات.
أظهَرت النتائج أن العبارات العاطفية سواء كانت إيجابية أم سلبية استطاعت تغيير نشاط الدماغ بعد سماعها.
والمثير للاهتمام أن هذا الأثَر لم يكن لحظيًا فقط، بل استمر خلال الفترة التي كان المشاركون يؤدون فيها المهمة البصرية. وأشارت تحليلات الباحثين إلى أن مناطق دماغية مرتبطة بالمعالجة العاطفية كانت من بين المناطق التي قد تساهم في هذه الاستجابة.
بمعنى آخر، لم يتعامَل الدماغ مع الكلمات الإيجابية والسلبية باعتبارها أصواتًا عابرة، بل حملت هذه الكلمات قيمة عاطفية انعكست على النشاط العصبي اللاحق.
وهذا يعزز فكرة أساسية: الكلمات التي نسمعها يمكن أن تغيّر حالتنا العاطفية، وهذه الحالة قد تؤثَر بدورها في الطريقة التي نُعالِج بها المعلومات.
هنا تظهَر النتيجة الأكثر إثارة في الدراسة.
عندما سبقَ المهمة البصرية سماع عبارات تشجيعية ،لاحظ الباحثون تغيرات في بعض مكونات النشاط الكهربائي للدماغ المرتبطة بالانتباه الانتقائي البصري، خصوصًا عندما كان على المشاركين الانتباه إلى شكل معين في موقع محدد.
وسجل الباحثون تغيرات في مكونات عصبية تُعرف باسم P1 وSN وSP، وهي مؤشرات تُستخدم في أبحاث علم الأعصاب لدراسة مراحل مختلفة من معالجة المعلومات والانتباه.
وبحسب تفسير الباحثين تشير هذه التغيرات إلى أن العبارات الإيجابية ربما عززت بعض عمليات الانتباه المتعلقة باختيار الشكل الموجود في المكان الذي يركّز عليه الشخص.
وهذه نقطة مهمة: الدراسة لا تقول إن سماع عبارة تشجيعية سيجعل أي شخص أكثر ذكاءً أو تركيزًا بشكل عام، وإنما تشير إلى أن الكلمات الإيجابية قد تؤثّر في آليات محددة من معالجة المعلومات والانتباه.
الكلمات السلبية لم تكن بلا تأثير.
فقد أثارت العبارات السلبية مثل العبارات الإيجابية استجابة عاطفية قابلة للقياس في الدماغ. لكن عندما نظَر الباحثون إلى تأثير العبارات في الانتباه البصري تحديدًا، كانت التأثيرات الأكثر وضوحًا واتساقًا مرتبطة بالعبارات الإيجابية.
كما أن الأداء السلوكي للمشاركين، مثل سرعة الاستجابة ومعدلات الأخطاء، لم يُظهِر فروقًا إحصائية واضحة بين الحالات الثلاث.
وهذا التفصيل مهم جدًا لأن تغيّر النشاط الكهربائي للدماغ لا يعني بالضرورة أن الشخص سيؤدي المهمة بصورة أسرع أو أفضل في كل الظروف.
تقدم الدراسة احتمالًا مثيرًا يتعلق بالتفاعل بين الأنظمة المسؤولة عن المشاعر والانتباه.
فالدماغ لا يعمل في أقسام منفصلة تمامًا، إذ تتفاعل شبكات متعددة عندما نشعر بشيء ما ونحاول في الوقت نفسه التركيز أو اتخاذ قرار أو معالَجة معلومات جديدة.
ويشير الباحثون إلى أن الحالة العاطفية الإيجابية قد تتداخل مع الأنظمة العصبية المرتبطة بالانتباه، وربما تلعب مواد كيميائية عصبية مثل الدوبامين دورًا في هذا التفاعل.
لكن هذه النقطة تبقى تفسيرًا محتملًا لنتائج الدراسة، وليست إثباتًا مباشرًا بأن الدوبامين هو السبب المحدد للتغيرات التي ظهَرت لدى المشاركين.
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعطي أساسًا علميًا لفكرة نعيشها يوميًا. فكلمة من مدرب قبل المنافسة، أو تشجيع من أحد الوالدين، أو رسالة إيجابية من صديق، أو حتى حديث الإنسان مع نفسه، قد تؤثّر في مشاعره وانتباهه. فاللغة قادرة على إثارة المشاعر، والمشاعر يمكن أن تتداخل مع الإدراك والانتباه.
لا ينبغي المبالغة في تفسير هذه النتائج، لأن هذه الدراسة شملت 24 شخصًا فقط واختبرت مهمة بصرية محددة داخل المختبر لذلك، هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة ما إذا كانت هذه التأثيرات تظهَر بالطريقة نفسها في الحياة اليومية وفي مواقف مختلفة، ولدى فئات عمرية متنوعة.
الرسالة الأهم ليست أن الكلمات الإيجابية تمتلك قدرة سحرية على تغيير الدماغ، وإنما أن تأثير الكلمات الإيجابية على الدماغ يمكن أن يكون حقيقيًا وقابلًا للقياس على مستوى بعض العمليات العصبية.
وتشير النتائج إلى أن العبارات التشجيعية قادرة على إحداث استجابة عاطفية، وقد تُعدِّل الطريقة التي يعمل بها نظام الانتباه البصري في ظروف معينة.
وهذا يمنَح التشجيع معنى علميًا إضافيًا: أحيانًا قد تكون الكلمة التي نقولها لشخص قبل لحظة مهمة جزءًا من الطريقة التي يستعد بها دماغه للتعامل مع ما سيأتي.
لا تستهِن بقوة الكلمات التي تَستخدمها مع نفسك ومع من حولك. استبدل العبارات المحبِطة بكلمات واقعية ومشجعة، مثل: «سأحاول»، «أستطيع أن أتعلم»، أو «لم أصل بعد، لكنني أتقدم».
إن معرفة تأثير الكلمات الإيجابية على الدماغ قد يساعد على تعزيز النظرة الإيجابية، لكن التشجيع لا يُغني عن العمل أو التدريب أو العلاج عند الحاجة.
اختَر كلماتك بعناية، فقد تترك الكلمة التي تقولها اليوم أثرًا أكبر مما تتوقع في الشخص الذي يسمعها، وهذا ما يبرز أهمية تأثير الكلمات الإيجابية على الدماغ.