أعادت منصة «بينانس»، التي تتصدر عالم تداول العملات الرقمية من حيث حجم المعاملات اليومية، فتح باب سحب الأصول تدريجياً يوم الأحد، وذلك عقب إيقافها مؤقتاً لأكثر من 48 ساعة. جاء هذا الإجراء بعد تعرض المنصة لثغرة أمنية أدت إلى سرقة أصول رقمية تفوق قيمتها 6 مليارات دولار، في ما يُعد من أضخم الجرائم الإلكترونية المسجلة في تاريخ قطاع العملات المشفرة.
تزامن استئناف العمليات مع إعلان المنصة التزامها الكامل بتحمل تكاليف الهجوم من ميزانيتها الخاصة، مؤكدة أنها نجحت في توفير ما يقارب 90 في المائة من العملات التي استولى عليها المخترقون، مع ضمان عدم تعرض المستخدمين لأي خسائر مالية.
وأفادت «بينانس» في منشور على منصة «إكس» بأن المرحلة الأولى من إعادة تفعيل السحوبات انطلقت حوالي الساعة الثانية بعد ظهر الأحد بتوقيت سنغافورة، وبدأت بشبكة «بتكوين» لتتوسع لاحقاً لتشمل 15 عملة رقمية، من ضمنها «إيثر» والعملتان المستقرتان «تيذر» (USDT) و«يو إس دي سي» (USDC) اللتان تصدرهما شركة «سيركل».
وأشارت المنصة إلى أنها تعتمد استراتيجية متدرجة لإعادة فتح قنوات السحب، مع التركيز أولاً على العملات التي شهدت طلباً مرتفعاً من المستخدمين خلال الأسبوع الأخير، مشددة على أن كل شبكة أو زوج أصول يخضع لاختبارات صارمة تتعلق بالاستقرار والأمان قبل السماح بسحبها.
كما كشفت الشركة عن تحديث قائمة عناوين إثبات الاحتياطيات لتشمل محافظ جديدة أُنشأت ضمن إجراءات الاستجابة الأمنية للطوارئ، موضحة أن عمليات السحب المستقبلية ستتم حصرياً من خلال هذه العناوين المحدثة.
وكررت «بينانس» تأكيدها على أن الأعباء المالية للهجوم لن تقع على عاتق المستخدمين، حيث ستتحمل الشركة كامل التكاليف. وسبق أن أعلنت عن تخصيص أكثر من 6.34 مليار دولار من صناديقها لتغطية الخسائر، موضحة أنها استعملت هذه الأموال لشراء العملات اللازمة لتعويض نحو 90 في المائة من الأصول المسروقة.
وأوضحت أن النسبة المتبقية، والتي تقدر بنحو 10 في المائة، تتكون من عملات ذات سيولة منخفضة، مما قد يطيل أمد توفير الكميات المطلوبة منها.
وفي تصريح مصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أوضح ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك للمجموعة، أن قدرة الشركة على امتصاص هذه الخسائر تعود إلى سياستها المستمرة في استثمار جزء من أرباحها في سوق العملات الرقمية.
من جهتها، أكدت يي هي، الرئيسة التنفيذية المشاركة، أن الإيرادات المتوقعة للشركة خلال العام الجاري كافية لتغطية كامل قيمة الأصول التي ضاعت جراء الهجوم.
في سياق التحقيقات، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) يوم السبت أن كوريا الشمالية هي الجهة المسؤولة عن سرقة الأصول الرقمية التي تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار من «بينانس»، في حادث وقع في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
وربط المكتب الفيدرالي هذه العملية بمجموعة القرصنة الكورية الشمالية المعروفة باسم «تريدر ترايتور» (TraderTraitor)، وهي ذات المجموعة التي اتهمت بالوقوف وراء اختراق منصة «باي بت» في فبراير (شباط) 2025، والذي أدى حينها إلى سرقة نحو 1.5 مليار دولار، وكان آنذاك الأكبر من نوعه قبل الحادث الأخير.
وأشار المكتب إلى رصد تحويلات للأصول المسروقة إلى عملة «إيثيريوم»، متوقعاً محاولات لغسل هذه الأموال عبر منصات التمويل اللامركزي وخدمات المبادلة الفورية. ودعا الجهات العاملة في القطاع الخاص إلى حظر المعاملات المرتبطة بالعناوين التي يستخدمها المهاجمون لنقل الأصول وإخفاء مصدرها.
وكانت شركات متخصصة في تحليل بيانات «البلوك تشين»، مثل «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» و«إليبتك»، قد أشارت سابقاً إلى وجود روابط محتملة بين الهجوم وجماعات قرصنة كورية شمالية.
على الصعيد السياسي، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب حذراً في تأكيد مسؤولية بيونغ يانغ، قائلاً للصحافيين في فلوريدا مساء السبت إن السلطات لا تزال تدرس تفاصيل الحادث، مضيفاً: «لا نعرف ما إذا كانت كوريا الشمالية وراء ذلك».
أثّر الإعلان عن الاختراق، الذي صدر يوم الجمعة، سلباً على أسعار العملات الرقمية الرئيسية، وسط مخاوف من تأثير الهجوم على سلامة أصول المستخدمين وموثوقية منصات التداول.
وتراجعت «بتكوين» بنحو 5 في المائة فور انتشار الأنباء، فيما انخفضت «إيثيريوم» بنسبة 6 في المائة تقريباً، وهوت عملة «بي إن بي» المرتبطة بمنصة «بينانس» بنحو 10 في المائة.
لكن الأسواق شهدت استقراراً نسبياً يوم الأحد مع بدء استئناف السحوبات وتأكيد المنصة على تغطية الخسائر. وسُجلت «بتكوين» عند مستوى يقارب 77 ألفاً و800 دولار، أي أقل بنحو 5 في المائة من ذروتها التي سجلتها يوم الخميس قبل الكشف عن الهجوم.
وقال حسيب قريشي، الشريك الإداري في صندوق «دراغونفلاي» لرأس المال الاستثماري، إن سرعة استجابة القطاع للأزمة تعكس نضج صناعة العملات الرقمية، مشيراً إلى أن التعامل مع تداعيات الهجوم تم بوتيرة سريعة.
وذكرت «بينانس» في بيان سابق أن الثغرة ربما بدأت عبر اختراق حاسوب محمول لأحد مهندسي البرمجيات، مع وجود نقاط ضعف إضافية، لكنها نفت وجود أي دليل على تسريب المفاتيح الخاصة للمحافظ الرقمية.
أعاد هذا الحادث تسليط الضوء على المخاطر الأمنية المحدقة بمنصات تداول العملات، خاصة مع تزايد التحذيرات من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات القراصنة، بما في ذلك جمع المعلومات وتنفيذ هجمات الهندسة الاجتماعية الموجهة ضد موظفي المؤسسات.
وشهدت الفترة الأخيرة تعرض مؤسسات مالية أخرى لهجمات إلكترونية، من بينها منصة التنبؤات «بولي ماركت»، وشركتا الاستثمار الكوريتان الجنوبيتان «ميراي أسيت غلوبال إنفستمنتس» و«دايشين سيكيوريتيز»، فضلاً عن منصة التداول اليابانية «جي إم أو إنترنت غروب».
تُبرز الحجم الكبير لـ«بينانس» في سوق الأصول الرقمية خطورة أي اختراق قد تتعرض له؛ إذ تحتفظ المنصة بأصول تقدر بنحو 135 مليار دولار، مقارنة بنحو 29 مليار دولار لدى منافستها «أو كي إكس»، ثاني أكبر منصة، وفقاً لبيانات «ديفاي لاما».
وتدير «بينانس» صندوقاً احتياطياً لتأمين أصول المستخدمين في الحالات الطارئة، يُعرف باسم «صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين» (SAFU)، أُنشئ عام 2018، ويُحتفظ به عادة عند مستوى يقارب مليار دولار، مع تذبذب قيمته وفقاً لتقلبات السوق.
يضع الهجوم الأخير هذا الصندوق، إلى جانب تعهد الشركة باستخدام مواردها الخاصة لتغطية الخسائر، تحت اختبار حقيقي لمدى قدرة منصات العملات الرقمية على حماية أموال عملائها والحفاظ على الثقة في أنظمة التداول الإلكترونية.