تحل اليوم 18 أكتوبر ذكرى ميلاد الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، الذي ولد في باريس عام 1859، ويعد من أبرز الفلاسفة الذين أسهموا في تطوير الفكر الفلسفي الحديث، من خلال أفكاره حول الحركة والتغير والتطور، وحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1927، تقديرًا لإسهاماته الأدبية والفكرية.
كان هنري برجسون فيلسوفًا فرنسيًا، وأحد أبرز من وضعوا أسس ما عرف باسم "فلسفة العملية"، التي رفضت القيم الثابتة لصالح قيم الحركة والتغير والتطور. كما كان كاتبًا أدبيًا بارعًا، حظيت أعماله باهتمام الأوساط الأكاديمية والجمهور العام على حد سواء.
ولد هنري برجسون في 18 أكتوبر 1859 في باريس بفرنسا، وينحدر من عائلة يهودية بولندية من جهة والده، الذي كان موسيقيًا موهوبًا، بينما تنتمي والدته إلى عائلة يهودية إنجليزية. وتلقى تعليمه المبكر في مدرسة ليسيه كوندورسيه في باريس، حيث أظهر مواهب كبيرة في العلوم والعلوم الإنسانية.
ومن 1878 إلى 1881، درس في المدرسة العليا للأساتذة في باريس، وهي المؤسسة المسؤولة عن إعداد مدرسي الجامعات، حيث اكتسب ثقافة واسعة مكنته من دراسة الأدب اليوناني واللاتيني، والاطلاع على العلوم المعاصرة، قبل أن يتجه إلى مجال الفلسفة بعد التخرج.
بدأ برجسون مسيرته في التدريس في عدد من المدارس الثانوية خارج باريس، وعمل في أنجيه خلال الفترة من 1881 إلى 1883، ثم في كليرمون فيران لمدة خمس سنوات. وخلال وجوده في المدينة الأخيرة، تبلورت لديه الفكرة التي أصبحت أساسًا وإلهامًا لكتبه الفلسفية الأولى.
وفي عام 1889، نشر كتابه "مقال في المعطيات المباشرة للوعي"، الذي نال عنه درجة الدكتوراه في العام نفسه، وناقش فيه مفهوم "الديمومة"، أو الزمن المعيش، في مقابل الزمن الذي يُقاس بالساعة ويُستخدم في العلوم. كما تناول وعي الإنسان بذاته الداخلية، مؤكدًا اختلاف الوقائع النفسية عن غيرها من الوقائع، وانتقد محاولات قياسها والتعبير عنها بالأرقام.
أبرز مؤلفات هنري برجسون وأفكاره الفلسفية
من أبرز أعمال هنري برجسون كتاب "المادة والذاكرة"، الذي صدر عام 1896، وتناول فيه العلاقة بين العقل والجسد، مستندًا إلى دراسة الذاكرة والظواهر النفسية، ولا سيما الحبسة، أو فقدان القدرة على استخدام اللغة.
ورأى برجسون أن العجز عن الكلام لدى بعض المصابين بالحبسة لا يعني بالضرورة فقدان الذاكرة، بل قد يرتبط بالآلية الجسدية اللازمة للتعبير عنها، وهو ما قاده إلى القول باستقلال الذاكرة والعقل أو الروح عن الجسد.
وفي عام 1900، تولى التدريس في كوليج دو فرانس، وهي إحدى أرفع المؤسسات الأكاديمية مكانة في فرنسا، وحقق نجاحًا كبيرًا بوصفه محاضرًا، حتى أصبحت أفكاره موضع اهتمام واسع في الأوساط الفلسفية والثقافية.
وفي عام 1907، نشر كتابه الأشهر "التطور الخلاق"، الذي تناول فيه مفهوم الحياة والتطور، وقبل التطور باعتباره حقيقة علمية، لكنه انتقد التفسيرات التي أغفلت أهمية الديمومة والطبيعة الفريدة للحياة. وطرح مفهوم "الدفع الحيوي"، الذي رأى أنه يمثل قوة مستمرة في العملية التطورية، تنتج أشكالًا جديدة من الحياة، مؤكدًا أن التطور عملية إبداعية وليست آلية.
ومن أعماله الأخرى كتاب "الضحك: بحث في معنى الكوميديا"، الصادر عام 1900، وكتاب "مقدمة إلى الميتافيزيقا"، الصادر عام 1903، الذي عرض فيه تصوره لطريقتين للمعرفة؛ إحداهما تحليلية ترتبط بالعلوم، والأخرى حدسية تسعى إلى إدراك جوهر الأشياء بصورة مباشرة.
وفي عام 1932، نشر كتاب "المصدران للأخلاق والدين"، الذي تناول فيه العلاقة بين المجتمع المغلق والمجتمع المفتوح، وناقش مصدرين للأخلاق، أحدهما يرتبط بالذكاء والآخر بالحدس.
هنري برجسون وجائزة نوبل في الأدب
حصل هنري برجسون على جائزة نوبل في الأدب عام 1927، بعد أن أصبح أحد أبرز المفكرين والفلاسفة في عصره، وحظيت مؤلفاته باهتمام واسع في فرنسا وخارجها.
وعلى الرغم من أن أفكاره لم تؤد إلى نشوء مدرسة فلسفية مستقلة تحمل اسمه، فإن تأثيره امتد إلى عدد من الفلاسفة في فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، ومن بينهم ويليام جيمس، وجورج سانتايانا، وألفريد نورث وايتهيد.
وتوفي هنري برجسون في باريس في 4 يناير 1941، عن عمر ناهز 81 عامًا، تاركًا مؤلفات وأفكارًا كان لها تأثير ملحوظ في الفلسفة الحديثة، ولا سيما في مناقشة مفاهيم الزمن والتغير والذاكرة والتطور.