انخفاض قدرة الحكومات على مواجهة أزمة جديدة تحت ضغوط الموازنات وارتفاع عوائد السندات
رغم كل التحديات التي واجهها الاقتصاد العالمي، فإنه لا يزال يُظهر متانة لافتة.
فالحرب في إيران لم تخلّف سوى أثر محدود نسبياً، ولم تنجح أسعار الفائدة المرتفعة حتى الآن في كبح النمو، فيما يقود الذكاء الاصطناعي طفرة استثمارية.
لكن استمرار هذا النمو، الذي حدّث "صندوق النقد الدولي" توقعاته بشأنه هذا الأسبوع، ليس مضموناً إلى ما لا نهاية.
وسيكون للحظ، إلى جانب القدرة على قراءة إشارات الأسواق بدقة، دور في تحديد مساره.
ولا يخلو هذا التوسع الاقتصادي من مواطن ضعف، إذ يفرض الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة أعباءً اقتصادية، وتدفع الظواهر الجوية المتطرفة أسعار السلع الأساسية إلى الصعود، فيما يتخوف بعض صُناع السياسات من الإفراط في الإنفاق على التقنيات الحيوية لمراكز البيانات.
ومن هنا، فإن التساؤل عما ينتظر الاقتصاد العالمي ليس تشاؤماً في غير محله. فهل سيكون التباطؤ الحتمي محدوداً، كما حدث عقب انفجار فقاعة "دوت كوم" عام 2001، أم أشد وطأة، على غرار ما أعقب انهيار "ليمان براذرز هولدينجز" عام 2008، أو الإغلاقات التي فرضتها جائحة كوفيد؟
ستجد البنوك المركزية والسلطات المعنية بالسياسات المالية نفسها مطالبة بالتدخل مجدداً، بحسب ما نقلته وكالة أنباء "بلومبرج".
لكن تطبيق مبدأ اتخاذ "كل ما يلزم"، الذي استخدمه ماريو دراجي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، بفاعلية كبيرة، قد لا يكون سهلاً هذه المرة.
فموازنات العديد من الاقتصادات المتقدمة تبدو قريبة من استنفاد قدراتها، فيما تعكس أسواق السندات شكوكاً بشأن قدرة الساسة على وضع المالية العامة على مسار مستدام.
فعلى سبيل المثال، قد تحتاج فرنسا، حيث خرج الطلاب إلى الشوارع احتجاجاً وقفزت أسعار الفائدة طويلة الأجل، إلى خطة إنقاذ تفوق بكثير ما احتاجت إليه البرتغال أو اليونان أو حتى اقتصاد ناشئ متوسط الحجم.
صندوق النقد يتوقع تسارع النمو الاقتصادي
لكن لحظة الحساب لا تزال بعيدة في الوقت الراهن.
فقد توقع صندوق النقد، الثلاثاء، تسارع نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.4% عام 2027، مقابل 3.1% يُقدر أن يُسجلها هذا العام، وهي نسبة أفضل قليلاً من التوقعات السابقة.
وستبرز الولايات المتحدة والصين مجدداً بين الاقتصادات الأفضل أداءً، إذ يُرجح أن يتجاوز النمو الأمريكي التقديرات السابقة بشكل طفيف، فيما يُتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4%، من دون تغيير عن التوقعات السابقة.
في المقابل، تبدو آفاق فرنسا أقل تفاؤلاً، بعدما أصبحت بؤرة موجة بيع السندات في الاقتصادات المتقدمة.
هذه التوقعات، التي صدرت خلال الاجتماعات السنوية للصندوق في بانكوك، لا تدعو إلى الاحتفال بقدر ما تعكس إقراراً بأن السيناريو الأسوأ لم يتحقق.
فقبل 12 شهراً، كان العالم لا يزال يستوعب تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة، وسط قلق المتداولين في الأسواق بشأن مستقبل الدولار.
لكن سيناريو "بيع الأصول الأمريكية" تلاشى، كما أن قفزة أسعار النفط التي أعقبت الهجوم الأمريكي على إيران، في انتكاسة أخرى تسببت بها واشنطن لنفسها، لم تقوّض الآفاق الاقتصادية.
يمكن فهم التحديات الراهنة بشكل أفضل عند وضعها في سياق أوسع؛ إذ يتطلب الأمر الكثير لدفع معدلات النمو بعيداً عن نطاق الـ3%.
فقد تسببت الجائحة في انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.7%، فيما دفعت أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر الناتج العالمي نحو النطاق السلبي.
البنوك المركزية أمام اختبار الإنقاذ
يعتمد السيناريو الحالي، الذي يبدو متماسكاً في ظاهره، على تجنب صُناع السياسات ارتكاب أخطاء جسيمة.
وحتى الآن، تبدو تصرفاتهم وقراراتهم صائبة؛ إذ يُرجح أن يعاود الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة، بعدما زادها بشكل طفيف الشهر الماضي.
كما صدرت عن البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية في الهند وأستراليا إشارات متشددة مماثلة بشأن السياسة النقدية، في ظل استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة في كثير من الحالات.
لكن ماذا سيحدث في المرة المقبلة التي يواجه فيها الاقتصاد أزمة بالغة الخطورة؟ ومن سيتدخل لإنقاذه، وهل سيكون هذا التدخل بالفاعلية نفسها التي شهدتها فترات الركود السابقة؟
في نهاية المطاف، ستقع المسؤولية على عاتق البنوك المركزية، لأن الحكومات، التي تتحكم في السياسة المالية، تقف على أرض محفوفة بالمخاطر.
فقد قلص الارتفاع الحاد في عوائد السندات قدرة الخزائن العامة على الاقتراض بأسعار فائدة تنافسية.
مع ذلك، يرى رئيس سنغافورة، ثارمان شانموجاراتنام، الذي تولى وزارة المالية خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، وترأس البنك المركزي قبل دخوله معترك السياسة، أن هذا الوضع قد يحمل في طياته خيراً خفياً؛ فمثل هذه الاضطرابات في أسواق أدوات الدخل الثابت تمنح القادة فرصة لترتيب أوضاعهم، لا سيما وأن التسويات بشأن الموازنة غالباً ما تتحقق عندما تلوح عواقب وخيمة في الأفق.
وشدد ثارمان، خلال حلقة نقاشية عُقدت الأسبوع الماضي بجامعة سنغافورة الوطنية بمشاركة كريستالينا جورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، على ضرورة اغتنام هذه الفرصة.
أما جورجييفا، فاستعارت صورة من أغنية لفرقة الروك الشهيرة "ليد زيبلين"، مشبّهة تراكم الديون بـ"سلّم"، لكنه لا يقود إلى الجنة، في إشارة إلى أغنيتهم الشهيرة "سلم إلى الجنة".
أزمة آسيا تحذر من المفاجآت
ورغم أننا قد لا نكون في الجحيم، فمن النادر أن تقترن توقعات إيجابية نسبياً للاقتصاد العالمي بهذا الكم من التحفظات، التي قد تكون أشد تأثيراً من التوقعات الأساسية نفسها.
ففي آخر مرة استضافت فيها تايلاند الاجتماعات الرئيسية لصندوق النقد الدولي عام 1991، كانت المملكة ودول الجوار على أعتاب سنوات من النمو الاقتصادي الجامح.
وكان الاتحاد السوفييتي قد انهار، فيما تصدرت العولمة والازدهار النقاشات الاقتصادية.
لكن قلة توقعوا أزمة العملة والركود الحاد اللذين اجتاحا آسيا قبل نهاية ذلك العقد، بعدما أشعل قرار بانكوك التخلي عن دعم عملة البات شرارة الأزمة.
أما اقتصاد تايلاند نفسه، فيحقق أداءً معقولاً هذه الأيام، لكنه، شأنه شأن الاقتصاد العالمي، لا يقدم نتائج استثنائية.