كُتبت هذه المدونة في الأصل باللغة الإنجليزية، ثم تُرجمت إلى العربية.في 15 تشرين الأول/أكتوبر، أتممت سنتي السادسة في “درج”. كانت رحلة ملأى بالتقلّبات والجنون… تخيّلوا فقط كيف يكون الشعور البقاء في رحلة كهذه لستّ سنوات كاملة؟
تأتي السنة السادسة لانضمامي إلى “درج”، في أسوأ توقيت بالنسبة لي: ففي الوقت الذي أُحيي فيه هذه المحطّة، يقبع زميل عزيز وصديق هو محمّد عادل، إلى جانب فريق منصّة “متصدقش” بكامله، في السجن في مصر.
لكي أكون صادقة، لن أكون ساذجة أو استعراضية أو مفرطة في المثالية لأدّعي أن الأمر كان مثالياً دائماً في “درج”. الصحافة ليست مثالية أبداً، ولا شيء في هذا العالم مثالي. مررنا بلحظات صعود وهبوط قاسية، لكن عندما تبدو الأمور على وشك الانهيار، أعلم دائماً أن “درج” موجود. أعلم أن “درج” يحاول أن يكون شعلة ضوء في منطقة غارقة في الظلام، وأنه منصّة لا تُدير ظهرها لقضيّة صحافيين معتقلين ولا تساوم على استقلاليتها التحريرية.
كشفنا عن تحقيقات وقصص صحافية كبرى. كان لدينا شكوكنا وصداماتنا، وارتكبنا أخطاء، ونحن نكافح اليوم مع تحوّلات المشهد الإعلامي كما يفعل الجميع. تعرّضنا للهجوم، والكراهية، والدعم… كل ما يخطر ببالكم، لكنّنا تركنا أيضاً أثراً حقيقياً. ضغطنا من أجل المساءلة، والدفع بنصوص قانونية أفضل، وزيادة الوعي، وتحريك الرأي العام، والمطالبة بالحقيقة. تتبّعنا الأموال وكشفنا أجزاء رئيسية من الأحجية (puzzle) المحيطة بحاكم المصرف المركزي السابق في لبنان ومصرفيين آخرين وسياسيين فاسدين.
سلّطنا الضوء على كيفية استغلال الشركات الكبرى لنفوذها واستنزاف الموارد في منطقتنا، وكشفنا ازدواجية المعايير الفاضحة لدى الشركات الغربية، والأوروبية بشكل خاصّ.
والأجمل من ذلك كله، أنه على الرغم من أن مقرّنا في لبنان، لم ينحصر عملنا يوماً داخل حدود هذا البلد، بل امتدّ ليشمل المنطقة العربية بكاملها، من الجزائر إلى عُمان.
قبل ستّ سنوات، كنت أضع اللمسات الأخيرة على أوراق هجرتي إلى كندا. كانت تفصلني خطوة واحدة فقط، وثيقة واحدة، بعد سنتين من المعاملات الروتينية والبيروقراطية المنهكة. اتّخذت أختي وعائلتها تلك الخطوة، وسيحصلون قريباً على جوازات سفرهم الكندية. وكان من المفترض أن أكون الآن حاصلة على جوازي أيضاً.
لكن الحياة اختارت لي مساراً آخر، أو بالأحرى، اخترته أنا لنفسي. اخترت البقاء في لبنان، والبقاء في الصحافة، والبقاء في “درج”. كان أحد الأسباب الرئيسية هو دافعي للمطالبة بالمساءلة، خاصّة بعدما تحطّمت مخطّطاتي لنيل الدكتوراه في الولايات المتّحدة الأميركية عندما قرّرت البنوك اللبنانية أن من “حقّها” الاستيلاء على مدخّرات عمرنا و”تجميدها” بشكل غير قانوني.
أردتُ أن أفهم ما الذي حدث، لا أُخفي أنني أردت أن أنتقم… لكنّ الأهمّ من ذلك، أردت أن أساهم في كشف الحقيقة، رفضت أن أدير ظهري لكل هذا.
هل أراجع نفسي وأشكّك في هذا الخيار أحياناً؟ بالطبع أفعل. أشكّ في “درج”، وأشكّ في دور الصحافة، وأشكّ بالتأكيد في جدوى بقائي في لبنان والمنطقة العربية كلها، لكنّها كانت تجربة استثنائية بحقّ، ولست نادمة على أي جزء منها على الإطلاق.
الوصول إلى هذه العلامة الفارقة لستّ سنوات يهزّني حقّاً من الداخل، لا سيّما وأنا أرى صديقاً وزميلاً عزيزاً على قلبي هو محمّد عادل، خلف القضبان في مصر بسبب عمله الصحافي. لقد أدّى اعتقاله واعتقال زملائه إلى تفاقم كل شكّ كان يراودني.
ومع ذلك، وبالنظر إلى المشهد الإعلامي الأوسع في المنطقة العربية، فإن وجودي في “درج” في هذه اللحظة بالذات منحني المساحة لأحارب من أجلهم، ولأرفض التخلّي عنهم أو عن أي من زملائنا الآخرين. ما نسعى له في “درج” هو أن لا ننظّر بقيم لا نطبّقها. أحياناً يوقعنا هذا في مشاكل جدّية، لكنّنا على الأقل ننام ونحن نعلم أن قلوبنا وعقولنا في المكان الصحيح.
وبينما أستمرّ في الصراع مع تخبّطاتي وشكوكي الداخلية التي أُلقي بها الآن أمامكم، أنتم القرّاء، أعلم أن لديّ منصّة تكرّس قلبها للصحافة الحقيقية، والأهمّ من ذلك، لحرّية التعبير. ستّ سنوات وأصدقاء مغيّبون ظلماً في السجون علّموني درساً قاسياً: الصحافة الحقيقية ثمنها باهظ، لكنّ حرّية التعبير هي أثمن ما نملك على الإطلاق.
في لبنان، وعلى الرغم من صداماتنا المستمرّة مع “المنظومة”، فإننا نأخذ حرّية التعبير الموجودة هنا أحياناً for granted، أي كأمر مسلم به، وهذا نعمة ونقمة في الوقت نفسه. إنها نعمة بالنسبة لنا كصحافيين لبنانيين بمقدورنا رفع صوتنا، لكنّها نقمة عندما ننسى أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى زملائنا في معظم دول المنطقة.
إننا نخوض معارك ضد أنظمة قمعية، وميليشيات مسلّحة، وقوى أجنبية، وحروب، واحتلال، وفساد، وانهيار اقتصادي، وعدم استقرار مستمرّ… ومع ذلك، علينا أن نستمرّ رغم كل شيء، هذا ما تتطلّبه الصحافة.
أنتجنا مؤخراً مقطع فيديو بمناسبة اليوم العالمي للأخبار (World News Day). كان أحد الأسئلة الموجّهة يتعلّق بالقيم الجوهرية التي يجب أن نظلّ متمسّكين بها في الصحافة، بغضّ النظر عن تحوّلات المشهد الإعلامي. كانت إجابتي: الدقّة، وأخلاقيات المهنة، والبحث عن الحقيقة.
إجابتي ما زالت قائمة بالطبع، ولكن بالنظر إلى الخلف، كانت إجابتي حرفية أكثر من اللازم، ومغرقة في تفاصيل آليّات العمل الاستقصائي، وعندما شاهدت الفيديو النهائي، رأيت أن رئيس التحرير حازم الأمين، أجاب بكلمة واحدة فقط: الحرّية.
لعلّها التجربة وسنوات الخبرة الطويلة التي دفعت حازم إلى هذا الجواب، هو يعلم أنه من دون الحرّية، يصبح كل شيء آخر بلا معنى ولا قيمة. لا شيء يقتل الصحافة مثل غياب الحرّية، وفي الوقت نفسه، لا شيء يغذّيها ويشعل جذوتها مثلها. هذه هي قصّة “متصدقش”. لقد تأسّست من قلب الرقابة لتبني صوتاً يتردّد صداه مع الناس على الأرض، ولتتحرّى صحّة الادعاءات، وترفع الوعي، وتسلّط الضوء على ما يهمّ المجتمع.
وما الذي حدث بعد ذلك؟ انتهى بهم المطاف في السجن، ومع ذلك، إلى فريق “متصدقش”، وإلى محمد عادل بشكل خاصّ، أقول: نحن هنا، نراكم، نشعر بكم، نسمعكم، ونحارب من أجلكم، ولن نتخلّى عنكم أو نتراجع أبداً.
في سنتي السادسة في “درج”، أعلم أنني سأستمرّ في التشكيك في هذا المجال بكامله، لكنّني أعلم أيضاً أنني إلى جانب فريق “درج”، سنحضر كل يوم لنحارب من أجل حقّنا، وحقّ زملائنا في الحرّية… وفي الوقت الحالي، يبدو أن هذا وحده أكثر من كافٍ.