ليست كل الأمم تملك شجاعة كتابة تاريخها بيدها بعض الأمم يُكتب عنها وبعضها يُكتب لها أما عُمان فقد اختارت أن تكتب نفسها فهي حين أنجزت مشروع الموسوعة العُمانية لم تكن تنجز كتابًا وإنما كانت تنجز اعترافًا بالذات وإعلانًا عن الهوية وكانت تقول للعالم «هذه حكايتنا كما عشناها لا كما فُسرت وهذا تاريخنا كما صنعناه لا كما نُقل عنا».
والموسوعة العُمانية اليوم لم تعد مجرد مشروع ثقافي للتوثيق لأنها وبكل فخر تحولت إلى مشروع وطني للاستثمار في المعرفة وأحد أهم مرتكزات بناء الاقتصاد المعرفي الذي تنشده رؤية عُمان 2040.
وحين نقرأ الموسوعة العُمانية فإننا لا نقرأ كتابًا ولكننا نقرأ وطنًا كاملًا بتفاصيله وتضاريسه وتاريخه وإنسانه، فهي مشروع هوية وسياج ثقافي يحمي الذاكرة العُمانية من النسيان والاندثار وفي هذا العالم الذي يتصارع فيه على المعلومة ويعيد تشكيل الوعي عبر المحتوى الرقمي تأتي الموسوعة المكونة من ثلاثة عشر مجلدًا لتقدم لنا ميزة تنافسية لا يملكها الكثير من الدول فهي محتوى وطني موثق ومرجعية معرفية رصينة وسردية تاريخية كتبت بأيدٍ عُمانية تحفظ الجغرافيا والتاريخ والإنسان والبيئات والفنون.
والتحدي اليوم لم يعد في إصدار الموسوعة فقد أنجزت الدولة هذا الواجب باقتدار التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذا المحتوى الضخم من كتاب ورقي على الرف إلى منصة معرفية حية تتحرك في المدارس والجامعات والمنصات الرقمية
وما نراه اليوم من حراك تربوي واعٍ لإحيائها بتحول موضوعاتها إلى لوحات فنية في معارض المدارس، وإلى مشاهد تراثية في الطابور الصباحي، وإلى منصات رقمية ومشاريع وهذا ما شاهدناه مؤخرًا في مدارسنا كما في ملتقى "لسان عُمان" بمدرسة بلقيس بصحار حيث تحولت موضوعات الموسوعة إلى أعمال فنية سمعية وبصرية وإلى مشاريع رقمية وتقنية أبدعتها الطالبات هو النموذج الذي نريده
هذا هو التحول من الحفظ إلى التوظيف ومن القراءة إلى الإنتاج. هنا تتحقق الغاية الكبرى أن تخرج الموسوعة من رفوف المكتبات إلى عقول الأجيال ووجدانهم.
إنَّ رؤية عُمان تدعو إلى تعليم يبني مهارات المستقبل مع الاعتزاز بالهوية والموسوعة هي الجسر الأمثل لتحقيق هذه المعادلة فالطالب الذي يبرمج تطبيقًا عن السفن العُمانية أو يصمم منصة عن الأزياء العُمانية مستندًا إلى الموسوعة هو ذاته الطالب الذي يمارس الابتكار وريادة الأعمال لكن بهوية عُمانية أصيلة.
لقد آن الأوان للانتقال بالموسوعة إلى مرحلتها الثانية وهي مرحلة الرقمنة التفاعلية والترجمة وتحويلها إلى محتوى قابل للتداول عالميًا وإلى مادة أساسية في المناهج وإلى مصدر مفتوح لصناع المحتوى والباحثين والمبتكرين.
الموسوعة العُمانية التي بين أيدينا ليست ماضيًا نستعرضه ولكنها أصلٌ ننطلق منه نحو المستقبل وهي الرصيد المعرفي الذي سيجعل من عُمان منتجًا للمعرفة لا مستهلكًا لها، وهي إنجاز يستحق أن نفخر به ورسالة تقول إن عُمان التي صنعت التاريخ قادرة على توثيقه وحفظه وتقديمه للعالم بكل ثقة واقتدار.
إنَّ الأمم العظيمة لا تترك تاريخها للصدفة إنما تكتبه وتحفظه وتورثه وعُمان اليوم بهذه الموسوعة تثبت أنها أمة تعرف من أين جاءت وتعرف إلى أين تمضي فمن يملك حق كتابة قصته يملك حق صناعة مستقبله.
حفظ الله عُمان.. تاريخًا يُروى ومجدًا لا يزول.