تنتقل إلى الرئيس التنفيذي الجديد للشركة السورية للبترول، ماهر خليل الحسن، مجموعة من الملفات التي أثارت خلال الأشهر الماضية نقاشاً واسعاً حول أداء الشركة وآليات الرقابة والتعاقد فيها، بدءاً من التحقيقات في عقود نفطية، وصولاً إلى أزمة البنزين المخالف للمواصفات والأضرار التي لحقت بمركبات مواطنين.
ولا يبدو أن تغيير الرئيس التنفيذي، بحد ذاته، كافياً لإغلاق هذه الملفات، إذ تواجه الإدارة الجديدة استحقاقات تتجاوز الجانب الإداري، من بينها استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، وضمان شفافية التعاقدات، ومتابعة المشاريع الاستثمارية المعلنة، إلى جانب تنفيذ التعهد بتعويض المتضررين من أزمة البنزين.
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت، في 13 تشرين الأول الجاري، انتهاء التحقيق الفني في أزمة البنزين، وكشفت أن شحنة غير مطابقة للمواصفات اختلطت، نتيجة خطأ تشغيلي، ببنزين مطابق للمواصفات، ووصل جزء من الخليط إلى السوق المحلية، ما تسبب بأضرار في عدد من المركبات.
وأعلنت الوزارة اتخاذ إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الخطأ والتقصير، كل بحسب مسؤوليته، كما كلفت الشركة السورية للبترول بوضع آلية لتعويض المواطنين المتضررين وإعلان تفاصيلها، على أن تنفذ عملية التعويض على مراحل متتابعة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع انتقال إدارة الشركة من يوسف قبلاوي إلى ماهر خليل الحسن، الذي عيّنه الرئيس أحمد الشرع رئيساً تنفيذياً للشركة بموجب المرسوم رقم 190 لعام 2026، لتصبح الملفات المفتوحة خلال المرحلة السابقة من أبرز الاختبارات التي ستواجه الإدارة الجديدة.
من إدارة التموين إلى قيادة الشركة النفطية
يصل الحسن إلى منصبه الجديد بعد توليه ملفات التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إذ شغل منصب وزير التجارة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير، بين كانون الأول 2024 وآذار 2025، ثم انتقل إلى منصب نائب وزير الاقتصاد والصناعة، متابعاً شؤون التموين والأسواق والمؤسسة السورية للتجارة وتطوير الخدمات الرقمية للسجلات التجارية.
ولا تقتصر سيرته المهنية على قطاع التموين؛ فبحسب صحيفة "الثورة السورية"، حصل الحسن على إجازة في الهندسة البترولية عام 2010، وعمل في إدارة العمليات الإنتاجية بشركة حيان للنفط بين أواخر 2011 ومطلع 2013، قبل أن يشرف على حقول نفط في مناطق كانت خارجة عن سيطرة النظام السابق شرقي حمص.
كما تولى ملفات خدمية وإدارية، وشغل منصب معاون وزير الاقتصاد والموارد في حكومة الإنقاذ منذ عام 2018، قبل انتقاله إلى الحكومة التي تشكّلت عقب سقوط النظام.
وقبل أربعة أيام من تعيينه، عقد الحسن مؤتمراً صحفياً، استعرض خلاله ملفات استلام القمح، وتطوير المطاحن والمخابز، ودعم الخبز، وتعزيز الرقابة التموينية على الأسواق.
أما قبلاوي، الذي يخلفه الحسن، فتقدّمه سيرته المنشورة لدى منتدى "إنرجي إنتليجنس" لعام 2026 بوصفه صاحب خبرة تقارب ثلاثة عقود في قطاع النفط والغاز وإدارة مشروعات الطاقة في مناطق مختلفة من العالم. ويحمل إجازة في الهندسة الميكانيكية من جامعة حلب، وماجستير في الطاقة المتجددة وأنظمة الاستدامة من جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية.
البنزين المخالف.. تحقيق فني وتكليف بالتعويض
تمثّل أزمة البنزين المخالف للمواصفات أبرز الملفات التي سبقت التغيير الإداري مباشرة. ففي 13 تشرين الأول، أعلنت وزارة الطاقة انتهاء التحقيق الفني في الأضرار التي لحقت بمركبات مواطنين، بعدما تبيّن أن شحنة غير مطابقة للمواصفات أُفرغت في مستودعات الشركة السورية للبترول.
وبحسب بيان الوزارة، قررت الشركة إعادة الشحنة إلى مصدرها، لكن خطأً تشغيلياً وقع أثناء ترحيلها عبر شبكة الأنابيب، أدى إلى اختلاطها ببنزين مطابق للمواصفات، ووصول جزء من الخليط إلى السوق المحلية.
وقالت الوزارة إن نتائج التحقيق ستترتب عليها إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الخطأ والتقصير، كلّ بحسب مسؤوليته، إلى جانب معالجة الخلل في منظومة التشغيل والرقابة لمنع تكرار الحادثة.
وكُلّفت الشركة بوضع آلية لتعويض المواطنين المتضررين وإعلان تفاصيلها، على أن تُنفّذ التعويضات على مراحل. ولم يسمِّ البيان قبلاوي بوصفه المسؤول الشخصي عن الخطأ، كما لم يحدد قيمة التعويضات أو عدد المستفيدين منها.
أسئلة تتجاوز الخطأ التشغيلي
وأثارت الأزمة تساؤلات تناولها برنامج "سوريا اليوم" حول آلية دخول الشحنة المخالفة إلى المستودعات ومراحل فحصها، والإجراءات التي كان يفترض أن تمنع اختلاطها بالكميات السليمة.
وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حمزة، خلال مشاركته في البرنامج، إن التوضيح الرسمي يستدعي الكشف عن مسار فحص المحروقات، منذ وصولها إلى الموانئ، مروراً بالتخزين والنقل، وصولاً إلى محطات الوقود. وشدّد على ضرورة تحديد المسؤوليات وتقديم إجابات تتناسب مع الأضرار التي لحقت بالمستهلكين.
كما أشار مدير محطة محروقات وعضو غرفة تجارة دمشق، محمد سالم وهاب، إلى إعادة حمولات صهاريج بعدما أظهرت التحاليل عدم مطابقتها للمواصفات، لكنه أوضح أنه لا يمتلك أرقاماً نهائية عن الكميات التي وصلت إلى المستهلكين قبل اكتشاف الخلل.
وتضع هذه الأسئلة ملف التعويض أمام حاجة إلى حصر الأضرار والكميات والمحطات المعنية، بالتوازي مع مراجعة إجراءات الرقابة، وليس الاكتفاء بتحديد الخطأ المباشر أثناء نقل الشحنة.
تحقيقات العقود.. ماذا تعني الأرقام المتداولة؟
وقبل أزمة البنزين، كانت عقود الشركة السورية للبترول قد تصدرت النقاش العام، بعد تداول أرقام عن أضرار مالية ومعلومات عن إجراءات رقابية بحق شركات متعاقدة.
وفي 29 أيلول، قال رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، إن مبلغاً يقارب 104 ملايين دولار يتعلق بحجز احتياطي على أموال بعض الشركات المتعاقدة محل التحقيق، وليس أموالاً ثبت اختلاسها.
وأوضح العلي أن الإجراء يهدف إلى حماية حقوق الدولة إلى حين استكمال التحقيقات، وأن البحث في تنفيذ شروط بعض العقود لا يمثل اتهاماً للشركة السورية للبترول بوصفها مؤسسة أو لجميع العاملين فيها، مؤكداً تعاونها في تقديم الوثائق المطلوبة.
وكانت الشركة قد أوضحت، في بيان سابق، أن مبلغ 110 ملايين دولار المتداول إعلامياً يمثل تقديراً أولياً للضرر في ملفات قيد التدقيق، لا قيمة أموال ثبت فقدانها أو اختلاسها. وهنا يختلف مدلول الرقمين: أحدهما قيمة حجز احتياطي، والآخر تقدير أولي للضرر، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما حصيلة واحدة لفساد مثبت.
وفي نقاش آخر ضمن برنامج "سوريا اليوم"، طُرحت تساؤلات بشأن خبرات الشركات المتعاقدة وملاءتها المالية وآليات اختيارها. ودعا الخبير في التخطيط الاقتصادي، خالد الحمدي، إلى التعامل مع الملف عبر المؤسسات الرقابية والقانونية وانتظار نتائج التحقيقات، مع تعزيز إتاحة المعلومات المتعلقة بالعقود.
مخالفات في حقول دير الزور سبقت جدل العقود
وسبق ذلك إعلان الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، في آب الماضي، نتائج أولية لتحقيقات في عدد من حقول النفط بدير الزور، شملت التعاقدات والصيانة والنقل والإدارة، بعد أعمال رقابية استمرت ثلاثة أشهر بمشاركة 22 مفتشاً.
وبحسب الإعلان، توزعت الأضرار المقدرة بين أكثر من ثمانية ملايين دولار مرتبطة بالتعاقدات والصيانة وسوء الإدارة، ونحو 20 مليون دولار فروق أسعار في عقود نقل النفط الخام.
وأعلنت الهيئة كفّ يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء لاستكمال التحقيقات، إلى جانب إجراءات تتعلق بفسخ عقود وحجز احتياطي، في حين أكدت الشركة دعمها لعمل الجهات الرقابية وتوفير الوثائق والبيانات المطلوبة. وتبقى هذه التقديرات والإجراءات مختلفة عن الأحكام القضائية النهائية التي تحدد المسؤوليات وحجم الضرر.
قبلاوي بين الدفاع عن العقود والاعتذار عن تصريحاته
دافع قبلاوي عن أداء الشركة والعقود التي أبرمتها، نافياً وجود فساد في التعاقدات مع شركات، من بينها "ستار بترونوفا" و"غولكون" و"تعزيز"، ومؤكداً، وفق تصريحاته، امتلاكها الكفاءة اللازمة لتنفيذ الأعمال المطلوبة.
وقالت الشركة إن ظروف التعاقد تختلف بين ملف وآخر، وإن بعض الإجراءات ارتبط بظروف استثنائية استدعت حماية منشآت وآبار نفطية، بينما أُبرمت عقود أخرى بعد طلب عروض ودراستها فنياً ومالياً. كما نفت آنذاك الأنباء عن توقيف رئيسها التنفيذي أو طلب إحالته إلى التحقيق.
لكن دفاع قبلاوي أثار جدلاً إضافياً بعدما استخدم تشبيه "القطيع" في حديثه عن متابعة السوريين للأخبار عبر فيس بوك. ونشر مساء 28 أيلول تسجيلاً مصوراً اعتذر فيه عن العبارة.
ولا يربط مرسوم تعيين الحسن بين هذا الجدل وخروج قبلاوي، كما لا يورد نتائج تتعلق بالمسؤوليات الشخصية في تحقيقات العقود أو أزمة البنزين.
مشروعات قائمة ومفاوضات تنتقل إلى الإدارة الجديدة
ولا يقتصر سجل الشركة خلال إدارة قبلاوي على الأزمات والتحقيقات، إذ شهد أيضاً أعمال صيانة وتشغيل ومباحثات استثمارية، بينها دخول المرجل البخاري الصربي الخدمة في مصفاة حمص، في حزيران الماضي، بطاقة معلنة تبلغ 25 طناً من البخار في الساعة، لدعم عدد من الوحدات الإنتاجية.
وفي الشهر نفسه، بحث قبلاوي مع وفد من شركة "شيفرون" الأميركية تحويل مذكرة التفاهم الخاصة بالاستكشاف البحري في البلوك رقم واحد إلى عقد تنفيذي، إلى جانب فرص التعاون في مشروع نقل النفط العراقي عبر سوريا، بحسب تغطية الموقع.
وفي 7 تشرين الأول، نقلت وكالة "بلومبرغ" عن قبلاوي تصريحات قال فيها إن اتفاقاً مع العراق لنقل النفط الخام بالشاحنات عبر الأراضي السورية أوشك على الاكتمال، مع توفير خزانات في بانياس تمهيداً لإعادة تصديره بحراً.
وتختلف مراحل هذه الملفات؛ فمنها ما أُعلن دخوله الخدمة، ومنها ما بقي، وفق التصريحات المنشورة، قيد التفاوض أو بانتظار التنفيذ. ولذلك لا تشكل المذكرات والمواعيد المتوقعة وحدها دليلاً على إنجاز المشروعات أو بدء تشغيلها.
اختبار يتجاوز تغيير اسم الرئيس التنفيذي
أُحدثت الشركة السورية للبترول بموجب المرسوم رقم 189 لعام 2025، بوصفها شركة عامة قابضة تتولى أنشطة واستراتيجيات تتعلق بالاستكشاف والتنمية والتسويق وإدارة الأصول النفطية والغازية، وتحل محل مؤسستي النفط والتكرير في الحقوق والالتزامات المعنية.
ويترأس وزير الطاقة مجلس إدارتها، الذي يعتمد الخطط والموازنات والاستراتيجيات وعقود الشراكة، بينما يُعيّن الرئيس التنفيذي بمرسوم؛ وهو ما يجعل التغيير الحالي متعلقاً بالقيادة التنفيذية، وليس برئاسة مجلس الإدارة.
وفي نقاش سابق على تلفزيون سوريا بشأن مخالفات القطاع، دعا خبير الحوكمة مظهر شربجي إلى تدقيق العقود عبر جهة مستقلة، وتفعيل الرقابة الداخلية والخارجية، ووضع شروط واضحة للمناقصات، بما يمنع تكرار المخالفات بدلاً من الاكتفاء بمعالجتها بعد وقوع الضرر.
وعليه، لا يختصر تغيير القيادة الملفات المطروحة أمام الشركة: فتعويض أصحاب المركبات يحتاج إلى إجراءات معلنة قابلة للتنفيذ، وتحقيقات العقود تحتاج إلى نتائج تحدد المسؤوليات، بينما تتطلب مشروعات التطوير متابعة مراحلها الفعلية. وبين هذه الاستحقاقات، يبدأ الحسن مهمته في مؤسسة باتت جودة إمداداتها وشفافية تعاقداتها موضع نقاش عام.