في بقعة تبدو خالية من المجرات، التقط تلسكوب راديوي صيني إشارة من سحابة هيدروجين لا تحيط بها نجوم ظاهرة. ولم يكن الغريب وجود الغاز في الفضاء، بل إن حركته توحي بكتلة خفية ضخمة تحفظه متماسكا. لذلك يرجح علماء فلك أنهم أمام مجرة مظلمة ربما لم تنجح في تكوين نجوم أصلا، على مسافة تقارب 114 مليار مليار كيلومتر من الأرض.
جاءت النتيجة بعد رصد السحابة المعروفة بالرمز "جيه 1351" (J1351+0039) ثلاث مرات بين يوليو/تموز وأغسطس/آب 2026 باستخدام تلسكوب "فاست" الصيني ذي الـ500 متر، ثم مقارنة موقعها بصور عميقة من مسح "ديزي" البصري.
ونشر الباحث في المراصد الفلكية الوطنية التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم جين لونغ شو وزملاؤه الدراسة الأولية في 24 سبتمبر/أيلول، وحظيت نتائجها بتغطية علمية جديدة يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ومنذ عقود تتوقع النماذج الكونية وجود تجمعات من المادة المظلمة تضم غازا لكنها لا تصنع نجوما. والعثور عليها صعب، لأن التلسكوبات البصرية تبحث عادة عن ضوء النجوم، وهذه التجمعات قد لا تصدر ضوءا مرئيا كافيا.
بحث الفريق عن بصمة الهيدروجين المتعادل، التي تظهر في موجات راديوية بطول 21 سنتيمترا. وأظهرت القياسات سحابة شبه دائرية، تضم هيدروجينا تعادل كتلته نحو 480 ألف شمس، ويبلغ قطر منطقتها الغازية نحو 180 مليون مليار كيلومتر.
لكن الصور البصرية لم تكشف مجرة مرتبطة بها. ولا يعني ذلك إثبات خلوها التام من النجوم؛ فالأرصاد لا تستبعد تجمعا نجميا خافتا جدا تقل كتلته عن نحو 150 ألف كتلة شمسية. وقدر الفريق الكتلة اللازمة لتفسير حركة الغاز بنحو 130 مليون كتلة شمسية، أي قرابة 200 ضعف كتلة مادته العادية المقدرة.
وتشير هذه المقارنة إلى هيمنة المادة المظلمة، وهي مادة لا نراها مباشرة وإنما نستدل على جاذبيتها. كما لم يجد الباحثون مجرة كبيرة قريبة أو جسورا غازية تدل على أن السحابة مجرد بقايا انتزعت من مجرة أخرى، مما يجعل عزلتها جزءا أساسيا من أهمية الاكتشاف.
أظهرت خريطة حركة الغاز دورانا ضعيفا لا تتجاوز سرعته نحو 4.2 كيلومترات في الثانية، في مقابل حركات عشوائية تقارب 11.6 كيلومتر في الثانية. ويرجح الفريق أن ضغط الغاز وجاذبية كتلة غير مرئية يحافظان على استقرار السحابة، بدلا من دوران سريع يشبه أقراص المجرات المألوفة.
ويطرح الباحثون تفسيرا يعود إلى تاريخ الكون المبكر: فقد يكون الإشعاع فوق البنفسجي المنتشر بين المجرات أبقى الغاز دافئا، ومنعه من التبرد والتكاثف حتى تبدأ ولادة النجوم.
ويصف الباحث جين لونغ شو وزملاؤه الجسم في دراستهم بأنه "أوضح المرشحين المعزولين وأكثرهم إقناعا" لهذه الفئة النادرة، لكنهم يتركون الباب مفتوحا لاحتمال وجود مجرة قزمة شديدة الخفوت.
ولهذا لا يزال الاسم "مجرة مظلمة" توصيفا مرجحا، لا اكتشافا نهائيا لمجرة بلا نجوم. وسيكون التصوير الأعمق باستخدام "هابل" أو "جيمس ويب" اختبارا حاسما: فإما العثور على نجوم مستترة، وإما تعزيز احتمال وجود مجرة ظلت مظلمة طوال تاريخها.