ناقشت الجلسة الأولى من اليوم الثاني لمنتدى القاهرة الثالث "Cairo Forum 2026"، بعنوان «حوكمة الذكاء الاصطناعي وموازين القوى التي تحدد النتائج بالنسبة لدول الجنوب العالمي»، التحديات التي تواجه الدول النامية في الاستفادة من التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وسبل تعزيز قدرتها على المشاركة في صناعة التكنولوجيا وامتلاك أدواتها، بما يضمن تحقيق قيمة اقتصادية وتنموية حقيقية لمجتمعاتها.
وتناولت المناقشات قضايا السيادة التقنية، وملكية البيانات، وتطوير الكفاءات البشرية، وجذب الاستثمارات، وأهمية بناء أطر تنظيمية متوازنة تتيح الابتكار وتحمي المصالح الوطنية، مع التأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في مواكبة التطور التكنولوجي، بل في القدرة على توظيفه لتحقيق أولويات التنمية.
النواوي: الاستثمار في الإنسان والملكية الفكرية أساس استفادة دول الجنوب من الذكاء الاصطناعي
وأكد محمد النواوي، المحامي في Partners.law والرئيس التنفيذي السابق للشركة المصرية للاتصالات، أهمية تبني رؤية واضحة لدور الإنسان باعتباره مصدرًا رئيسيًا للثروة، مشيرًا إلى أن الدول أمام خيارات مختلفة في التعامل مع التحول الرقمي؛ فهناك من يركز على توفير فرص عمل، حتى وإن كانت منخفضة القيمة، وهناك من يستثمر في بناء القدرات المحلية وامتلاك الملكية الفكرية وتطوير الخدمات ذات القيمة المضافة.
وأوضح أن دول الجنوب العالمي تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من طاقاتها البشرية، خاصة الشباب، من خلال سياسات تشجع الابتكار وتدعم تطوير التكنولوجيا محليًا، مع ضرورة تحقيق التوازن بين التنظيم وحرية الابتكار، بما يضمن حماية الحقوق الأساسية وخدمة المجتمع.
صواف: التطبيقات العملية وبناء القدرات بديل أكثر كفاءة عن الاستثمارات الضخمة في النماذج الكبرى
ومن جانبه، أوضح الدكتور حسن صواف، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "aiXplain" بالولايات المتحدة الأمريكية، أن بناء قدرات الذكاء الاصطناعي لا يتطلب بالضرورة أن تستثمر كل دولة مبالغ ضخمة في تطوير نماذج لغوية كبرى جديدة، إذ يمكن تحقيق قيمة اقتصادية وعملية مهمة من خلال توظيف النماذج القائمة وتطوير التطبيقات التي تلبي احتياجات المجتمعات والمؤسسات.
وأشار إلى أهمية بناء منظومة تتيح للدول والمؤسسات التحكم في بياناتها، والاختيار بين النماذج المختلفة، وتحديد البنية التحتية المناسبة لتشغيل تطبيقاتها، إلى جانب توفير أدوات الحوكمة والأمان والامتثال اللازمة لضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
عبد الله: الطاقة ورأس المال والمواهب التقنية ركائز بناء منظومة تنافسية للذكاء الاصطناعي
بدوره، أكد حسين عبد الله، الشريك المؤسس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في Golden Gate Ventures MENA، أن بناء منظومة تنافسية للذكاء الاصطناعي يتطلب الاهتمام بتوفير الطاقة ورأس المال والمواهب التقنية، إلى جانب تهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات والابتكار. وأوضح أن المستثمرين يمكنهم الإسهام في نقل الحلول التقنية واستقطاب الشركات والكفاءات وتوطينها داخل الأسواق المحلية، بما يتوافق مع أولويات كل دولة.
وأشار إلى أهمية إنشاء مراكز للابتكار وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع الاستفادة من الاستثمارات في دعم التوظيف المحلي والبحث والتطوير وبناء القدرات التقنية.
أوآندجا: تحديد الأولويات الوطنية وتعزيز القوة التفاوضية مفتاح حماية مصالح الدول الإفريقية
وشددت الدكتورة نانغولا أوآندجا، المديرة التنفيذية لشركة Emeralds and Platforms، على ضرورة تعزيز قدرة الحكومات الإفريقية على التفاوض بشأن مشروعات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن محدودية القدرات التقنية لا تعني بالضرورة ضعف الموقف التفاوضي، في ظل ما تمتلكه القارة من موارد بشرية وطاقة ومواد خام.
وأوضحت أن على الحكومات تحديد أولوياتها الوطنية قبل الدخول في التفاوض، وتوظيف الموارد المتاحة لبناء شراكات تحقق احتياجاتها الفعلية، مع الاستعانة بالمؤسسات الإقليمية والدولية لتوفير الخبرات القانونية والفنية اللازمة. كما أكدت أهمية صياغة عقود قابلة للتنفيذ، ومراعاة تكاليف التحكيم وتسوية النزاعات، بما يحمي مصالح الدول ويضمن قدرتها على إنفاذ التزامات الأطراف المتعاقدة.
وفي ختام الجلسة، أكد المشاركون أن الفرصة أمام دول الجنوب العالمي لا ترتبط فقط بقدرتها على مجاراة سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، وإنما بمدى قدرتها على تحديد المجالات التي تحقق أكبر عائد لمجتمعاتها، والاستثمار في التعليم وتنمية المهارات وبناء الشراكات.
ودعا النقاش إلى تعزيز التعاون الإفريقي وتكامل الجهود بين الحكومات والقطاع الخاص والشباب والنساء ومؤسسات المجتمع المدني، مع تمكين الشركات من تطوير حلول مبتكرة تسهم في تحقيق الأهداف العامة.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أهمية تبني نهج متوازن في حوكمة الذكاء الاصطناعي، يشجع الابتكار دون التخلي عن الضمانات اللازمة، ويوجه الاستثمارات نحو التطبيقات الأكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمعات، مع إعطاء الأولوية لرأس المال البشري باعتباره أحد أهم مقومات المنافسة والاستفادة من الاقتصاد الرقمي.