ورد في القرآن الكريم أن النبي يعقوب عليه السلام أوصى أبنائه، وعددهم لم يتجاوز العشرة، عند ذهابهم من فلسطين إلى مصر للبحث عن أخويهما يوسف وبنيامين، بأن لا يدخلوا من باب واحد بل يتفرقوا في الدخول. غير أن إدارة المعرض الدولي في حي المحمدية، في تصرف وصفه الكاتب بالعبقرية غير المجدية، أجبرت مئات المركبات على الخروج من مدخل واحد لموقف سيارات مكلف الثمن، يتسم بوجود حفر وغياب الإسفلت.
قضى الكاتب وصاحباه ساعتين كاملتين محاصرين بالغبار المتصاعد والدخان المنبعث من السيارات، بينما كان السائقون يقرعون الأبواق راجين رحمة من حراس البوابة، في مشهد مؤلم للشيوخ الركع والأطفال الذين جاؤوا لحب الكتاب والقراءة، فربما يقررون بعد هذه المعاناة الامتناع عن القراءة إلا لما هو مفروض عليهم.
المسافة التي استغرقت ساعتين كاملتين بسبب سوء التنظيم وفوضى السائقين، هي مسافة يقطعها الشيخ الهرم بخطوات بطيئة أو الطفل الذي يزحف في دقائق معدودة.
أثناء هذا الانتظار الطويل والمزعج، خاصة لمرضى الصدر، تذكّر الكاتب قصة عن الشيخ إبراهيم أبي اليقظان (ت 1973)، الذي كان له كاتب خاص هو أحمد فرصوص. ذات يوم، تأخر الكاتب خمس دقائق عن الموعد، فرفض الشيخ استقباله قائلاً: “لقد أضعتَ بتأخّرك خمس دقائق عليّ ما كان يمكنني أن أنجزه في تلك الدقائق”. فعاد أحمد فرصوص من حيث أتى بعد أن تلقى درساً عملياً في احترام الوقت وعدم هدره.
يبدو أن الوقت هو أثمن ما تهمّه إدارة المعرض الدولي، وإذا ضاعت دقيقة منه فلا يمكن استرجاعها حتى لو أنفق المرء ملء الأرض ذهباً. ولأهمية هذا الكنز، حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من تضييعه بقوله: “لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة من عند ربّه حتى يسأل عن أربع أولها عن شبابه فيم أبلاه وعن عمره فيم أفناه”. وقد جعل الله عز وجل لجحيمه سبعة أبواب تخفيفاً، بينما جعل المسؤولون عن معرض الجزائر الدولي لجحيمهم باباً واحداً، مما يضاعف معاناة الزوار.
كان الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله قد أدرك قيمة الوقت فجعله شرطاً ثالثاً للنهضة بعد الإنسان والتراب. ويبقى السؤال: متى ستقدّر إدارة معرض الجزائر قيمة هذا الكنز لتريح عباد الله من هذا العذاب النكر؟