تتجه الأنظار في المملكة العربية السعودية نحو إمكانية تحويل المساحات الصحراوية إلى مزارع إنتاجية ضخمة، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات لتوليد آلاف الأطنان من الغذاء، وذلك باستخدام كميات مائية أقل بكثير مما تتطلبه الممارسات الزراعية التقليدية. ويأتي هذا التحول ضمن مساعي المملكة لإعادة تشكيل مستقبل الأمن الغذائي، من خلال توظيف تقنيات حديثة تعظم العائد من كل وحدة مائية.
وشهدت هذه التوجهات زخمًا جديدًا مع انطلاق فعاليات الدورة الثالثة والأربعين من المعرض الزراعي السعودي في العاصمة الرياض، والتي تستمر حتى 22 أكتوبر الجاري. ويُنظم الحدث برعاية وزارة البيئة والمياه والزراعة، حيث يجتمع تحت مظلته نخبة من الشركات والمستثمرين والخبراء لعرض أحدث الابتكارات في مجالات الإنتاج الغذائي والزراعة.
التحدي المائي في قلب البيئة الصحراوية
تواجه القطاع الزراعي في السعودية عقبات جوهرية تفرضها طبيعة المناخ الجاف وشح الموارد المائية، مما دفع الجهات المعنية إلى تبني حلول إنتاجية متقدمة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين رفع معدلات المحاصيل والحفاظ على المخزون المائي.
وبدلاً من الاعتماد الحصري على الزراعة في التربة المكشوفة والري التقليدي، تتجه الاستثمارات الحالية نحو تبني البيوت المحمية، والزراعة المائية، والنماذج العمودية، مدعومة بأنظمة رقمية دقيقة تتحكم في متغيرات الحرارة والرطوبة، وتدير عمليات التسميد وتوزيع المياه وفق احتياجات النباتات الفعلية.
وأوضحت وزارة البيئة والمياه والزراعة أن بعض تطبيقات الزراعة المائية قادرة على تقليص استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالطرق التقليدية، مع الإشارة إلى أن هذه النسبة قد تتفاوت تبعًا لنوع المحصول والتقنية المستخدمة وظروف التشغيل.
إنتاجية عالية: 99 كيلوجرامًا من الطماطم في المتر المربع
تُجسد نتائج مشروعات المركز الوطني لأبحاث وتطوير الزراعة المستدامة «استدامة»، التي كشفت عنها وزارة البيئة والمياه والزراعة، حجم القفزة النوعية التي يشهدها القطاع.
فقد أظهرت التجارب المعملية في البيوت الزجاجية عالية التقنية تحقيق إنتاجية للطماطم بلغت نحو 99 كيلوجرامًا لكل متر مربع، مع استهلاك مائي لا يتجاوز ثلاثة لترات لإنتاج كل كيلوجرام من المحصول.
وتُبرز هذه الأرقام الإمكانات الهائلة التي تمنحها التكنولوجيا لرفع الإنتاجية ضمن مساحات ضيقة، مع التأكيد على أنها نتائج مرتبطة بتجارب وتقنيات محددة، ولا تمثل المتوسط العام لجميع المزارع في المملكة.
دور الروبوتات في المراقبة والتحليل
لم تعد مهام المزارع الذكية تقتصر على عمليات الري والتسميد الآلي، بل امتدت لتشمل جمع بيانات مستمرة حول حالة المحاصيل وتحليلها لدعم اتخاذ القرارات الزراعية الدقيقة.
وتعتمد هذه الأنظمة على شبكة من الحساسات لقياس رطوبة التربة، ومتابعة الظروف المناخية، وفحص جودة المياه، ثم توظف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد الاحتياجات المثلى للنباتات، مما يقلل من الهدر ويرفع كفاءة إدارة الموارد.
ومن أبرز النماذج التطبيقية في هذا المجال، مشروع المزرعة الذكية التجريبية في الرياض، الذي تنفذه المملكة بالتعاون مع كوريا الجنوبية على مساحة تقدر بأربعة آلاف متر مربع، ويجمع بين تقنيات الزراعة العمودية والبيوت المحمية واستخدام الروبوتات الزراعية.
إنتاج مستمر على مدار العام
لم يقتصر التحول الزراعي على نطاق التجارب البحثية، بل امتد ليشمل استثمارات تجارية تهدف إلى ضمان توافر الخضروات طوال فصول السنة، بما في ذلك أشهر الصيف ذات درجات الحرارة المرتفعة.
وتُعد شركة «دافا الزراعية» من الأمثلة البارزة في هذا السياق، حيث أشارت وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى امتلاكها لمشاريع بيوت زجاجية وزراعة متقدمة تغطي مساحة تتجاوز 107 هكتارات، بقدرة إنتاجية معلنة بلغت 165 ألف كيلوجرام يوميًا خلال عام 2024.
كما تبرز أهمية مشروعات الزراعة العمودية المغلقة التي تعتمد على التحكم الدقيق في البيئة الداخلية، بهدف خفض استهلاك المياه ورفع حجم المحاصيل في مساحات أصغر، مع توفير منتجات طازجة للأسواق المحلية.
مؤشرات تكشف حجم التحول الغذائي
تؤكد البيانات الرسمية تحقيق تقدم ملموس في نسب الاكتفاء الذاتي بعدد من السلع الغذائية الأساسية في المملكة.
وبحسب الأرقام التي عرضتها وزارة البيئة والمياه والزراعة في فبراير 2026، وصلت نسبة الاكتفاء الذاتي من التمور إلى 118%، والبيض إلى 101%، والخضروات إلى 78%، والدواجن إلى 69%، والأسماك إلى 61.5%.
وتعكس هذه المؤشرات الفروقات في قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الطلبات وفق طبيعة كل منتج، كما تسلط الضوء على القطاعات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوسع والاستثمار.
معرض الرياض منصة للمستقبل الزراعي
يأتي المعرض الزراعي السعودي 2026 ليؤكد دوره كمنصة تجمع بين التقنيات المتقدمة والشركات ومشاريع الإنتاج الغذائي، حيث يتيح الفرصة لعرض حلول الزراعة الدقيقة، والري الذكي، والاستزراع المائي، ومعالجة الأغذية.
ويشمل برنامج المؤتمر الدولي المرافق للمعرض جلسات نقاشية حول توظيف الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة في القطاع الزراعي، ومستقبل الأمن الغذائي، وسبل خفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز الاستدامة في مواجهة التغيرات المناخية.
ورغم هذه التطورات، لا تزال الزراعة الذكية تواجه تحديات تتعلق بتكاليف الإنشاء والتشغيل، واستهلاك الطاقة، واختيار المحاصيل المناسبة، مما يجعل التوسع في هذا المجال مرهونًا بالجدوى الاقتصادية وليس بالتقدم التقني فقط.
هل تتحول الصحراء إلى سلة غذاء؟
لا تعني هذه المشاريع أن السعودية ستتمكن من إنتاج جميع احتياجاتها الغذائية محليًا بالكامل، لكنها تكشف عن اتجاه واضح نحو زيادة إنتاج المحاصيل الملائمة للبيئة المحلية باستخدام موارد أقل.
وبين تقنيات الزراعة المائية، والبيوت المحمية، والروبوتات، تتشكل معادلة جديدة تسعى المملكة إلى ترسيخها ضمن مستهدفات رؤية 2030، تقوم على إنتاج غذاء أكثر، واستهلاك مياه أقل، وبناء مزارع قادرة على الصمود أمام تحديات المناخ.
وبذلك، قد لا يكون «الذهب الأخضر» في السعودية مجرد محصول جديد، بل يمثل القدرة على تحويل التكنولوجيا والمياه المحدودة إلى إنتاج غذائي مستدام.