أوقفت البنوك المركزية الرئيسية حول العالم مؤقتاً وتيرة رفع أسعار الفائدة خلال الأسبوع الجاري، غير أنها امتنعت عن تقديم أي إشارات تدل على اكتمال دورة التشديد النقدي. ويعود ذلك إلى استمرار الضغوط التضخمية، والبقاء عند مستويات مرتفعة لأسعار الطاقة، فضلاً عن استمرار الصراع في الشرق الأوسط دون بوادر واضحة على حله في المدى القريب.
حافظ كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة الحالية دون تغيير، مع التأكيد على أن التضخم، الذي ما زال فوق المستويات المستهدفة، يستوجب الحفاظ على الحذر، ويبقي احتمال تنفيذ مزيد من الإجراءات التقييدية قائماً. وفي القارة الأوروبية، جذبت تصريحات رئيسة البنك كريستين لاغارد اهتماماً واسعاً بعد إعلانها نيتها مغادرة منصبها قبل استحقاق نهاية ولايتها.
اتبع بنك اليابان المسار ذاته بتثبيت أسعار الفائدة، بينما تتجه الأنظار نحو اجتماعات البنوك المركزية المزمع عقدها الأسبوع المقبل، حيث تشير التوقعات إلى احتمال تنفيذ زيادات جديدة، وفي مقدمتها رفع بنك إنجلترا للفائدة للمرة الأولى خلال عام 2026.
وفيما يلي استعراض لمواقف البنوك المركزية التابعة لمجموعة «العشر» من الاقتصادات المتقدمة، مرتبة تنازلياً وفقاً لأسعار الفائدة الرئيسية:
قام بنك الاحتياطي الأسترالي برفع أسعار الفائدة أربع مرات منذ مطلع العام، ومن المقرر أن يصدر قراره القادم في 3 نوفمبر (تشرين الثاني). وترجح الأسواق تنفيذ زيادة إضافية نظراً لاستمرار ارتفاع معدلات التضخم، مدعوماً بتصريحات محافظ البنك ميشيل بولوك التي اتسمت بالصرامة.
يستعد البنك المركزي النرويجي لعقد اجتماعه الأسبوع المقبل، بعد أن فاجأ الأسواق برفع الفائدة في مايو (أيار)، ثم كرر هذه الخطوة في سبتمبر (أيلول)، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تشديد إضافي للسياسة النقدية.
دعمت مؤشرات التضخم الأخيرة التوقعات باستمرار النهج التقييدي؛ إذ ثبت التضخم الأساسي السنوي عند 3 في المائة خلال سبتمبر، متجاوزاً قليلاً توقعات البنك المركزي التي كانت عند 2.9 في المائة.
قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير يوم الأربعاء، ريثما تتضح المزيد من المؤشرات بشأن مسار التضخم، الذي وصفه بأنه «ما زال مرتفعاً»، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المزمعة الأسبوع المقبل.
يأتي هذا القرار في ظل استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ممارسة ضغوطه على البنك المركزي لخفض تكاليف الاقتراض؛ حيث اتهم مؤخراً صانعي السياسة النقدية بأنهم «معادون» و«متحزبون» عقب رفع الفائدة في سبتمبر. غير أن رئيس المجلس كيفين وارش نفى هذه الاتهامات، مؤكداً على استقلالية المؤسسة النقدية.
في المقابل، لا تزال الأسواق تتوقع عودة التشديد النقدي في ديسمبر (كانون الأول)؛ إذ تسعّر احتمالاً بنحو 80 في المائة لرفع الفائدة، كما تتوقع زيادة واحدة على الأقل، وربما زيادتين، خلال عام 2027.
لم يقم بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة منذ بداية العام، لكن هذا الوضع من المرجح أن يتغير الأسبوع المقبل، حيث تسعّر الأسواق احتمال الزيادة بشكل شبه مؤكد.
تستند هذه التوقعات إلى بيانات كشفت عن ارتفاع التضخم في سبتمبر بوتيرة تفوق التوقعات، إلى جانب تسارع نمو الأجور. وكان محافظ البنك أندرو بيلي قد حذر مراراً من أن بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة يرفع احتمالات اللجوء إلى رفع الفائدة مجدداً.
خالف بنك الاحتياطي النيوزيلندي توقعات الأسواق يوم الأربعاء، وأبقى سعر الفائدة الرسمي عند 2.75 في المائة، بدلاً من رفعه للمرة الثالثة على التوالي، في قرار اتُّخذ بتصويت متقارب.
لكن هذا التثبيت لم يبدد توقعات التشديد في المرحلة المقبلة؛ إذ قالت محافظة البنك آنا بريمان، يوم الخميس، إن احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر «مرتفعة»، فيما تقدر الأسواق فرصة حدوث ذلك بنحو 80 في المائة.
أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة عكست استمرار القلق حيال مسار الأسعار، وحذّر خلالها من تصاعد مخاطر التضخم، وهو ما دفع الأسواق إلى وصف القرار بأنه تثبيت متشدد.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه البنك على الضغوط السعرية؛ إذ تبرز أيضاً المخاوف المرتبطة بالوضع المالي الفرنسي، مع الارتفاع الحاد في علاوة المخاطر على الديون السيادية، وسط قلق المستثمرين من تنامي أعباء الدين وغياب رؤية واضحة لمسار المالية العامة.
وفي تطور منفصل، أعلنت رئيسة البنك كريستين لاغارد، يوم الخميس، عزمها الاستقالة قبل انتهاء ولايتها، لإتاحة المجال أمامها للمشاركة في الشؤون السياسية في فرنسا، وعلى المستوى العالمي.
رفع بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات، يوم الأربعاء، بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.5 في المائة، بما يتماشى مع توقعات الأسواق.
ومع ذلك، قال المحافظ تيف ماكليم إن السياسة النقدية لا تزال تميل بدرجة طفيفة إلى التيسير، مشيراً إلى أن السعر الحالي يبقى دون مستوى 2.75 في المائة، الذي يقدّره البنك باعتباره المستوى المحايد، أي الذي لا يقيد النشاط الاقتصادي ولا يحفزه.
وفي الوقت نفسه، رفع البنك توقعاته للتضخم في عام 2027 إلى 3.1 في المائة، مقارنة بتقديره السابق البالغ 2 في المائة في يوليو (تموز)، في إشارة إلى استمرار المخاوف بشأن الضغوط السعرية.
يبدو أن البنك المركزي السويدي يقترب من التحول إلى تشديد السياسة النقدية، بعدما اتسمت توجهاته لفترة طويلة بالميل إلى التيسير. وتسعّر الأسواق احتمالاً بنحو 80 في المائة لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه الأسبوع المقبل.
وكان رئيس البنك قد أشار في وقت سابق من الشهر الحالي، إلى وجود مبررات قوية لهذه الخطوة، في ضوء أداء الاقتصاد الذي جاء أفضل من المتوقع، وتزايد مخاطر تجاوز التضخم المستوى المستهدف.
أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، يوم الجمعة، بما يتوافق مع توقعات الأسواق، لكنه أشار إلى إحراز تقدم حاسم في معركته المستمرة منذ نحو 14 عاماً لتحقيق مستهدف التضخم.
ورغم هذا التقدم، أكد البنك استمرار يقظته إزاء مخاطر ارتفاع الأسعار، في إشارة إلى أن خيار رفع الفائدة مجدداً لا يزال قائماً. كما أجرى تعديلاً طفيفاً بالزيادة على توقعاته للتضخم، في ظل مؤشرات حديثة على اتساع نطاق الضغوط السعرية.
على النقيض من التوجهات المتشددة لدى عدد من البنوك المركزية الكبرى، يُرجح أن يُبقي البنك الوطني السويسري سعر الفائدة الرئيسي عند صفر في المائة خلال الأشهر المقبلة.
وأظهرت محاضر اجتماعه في سبتمبر، أن صانعي السياسة النقدية يرون أن الأوضاع النقدية الحالية «ملائمة» لضمان بقاء التضخم ضمن النطاق المستهدف على المدى المتوسط.
كما تسهم العوائد المنخفضة في الحد من ارتفاع الفرنك السويسري بصورة حادة، رغم أن التوترات الجيوسياسية دفعت المستثمرين مراراً إلى زيادة الإقبال على الأصول الآمنة خلال عام 2026.