سعى الكاتب الصحافي طارق الطاهر في مؤلفه «بخط اليد وعِلم الوصول.. تاريخ جديد للسيرة المحفوظية»، الصادر عن دار منشورات بتانة في القاهرة، إلى تقديم قراءة مغايرة لسيرة الأديب نجيب محفوظ. اعتمد الطاهر في عمله على مجموعة من الإهداءات التي اعتبرها بمثابة رسائل شخصية خزنها محفوظ في مكتبته لسنوات طويلة، مؤكداً أن هذا التجميع لم يسبق نشره بهذا الشكل، مما سمح باستكشاف جوانب غير مطروقة في حياة الروائي. وأوضح أن هذه النصوص لا توثق مسيرته الإبداعية فحسب، بل إن بعضها تنبأ بوصوله للعالمية قبل نيله جائزة نوبل في الآداب، مشيراً إلى أن تواضع محفوظ وانفتاحه على مريديه جعل الكثيرين يودعون في إهداءاتهم أسرارهم وطموحاتهم، وهو ما حافظ عليه الأديب كجزء من تاريخه الشخصي.
ويرى الطاهر أن للرسائل قيمة استثنائية في كشف الروابط الخاصة بين الأشخاص، وتزداد هذه القيمة حينما تكون بين شخصيتين تركت كل منهما بصمة في الحياة، خاصة إذا كانت إحدى الشخصيتين قد أثرت في التاريخ الإبداعي للبشرية. ويعتبر المؤلف أن هذه الأوراق، حين تصدر عن رموز وطنية وعالمية، تتحول إلى اكتشاف أدبي يستوجب التحليل الدقيق. كما يطرح تساؤلاً حول مفهوم الرسالة في العصر الحالي، معتبراً أن أي ورقة موجهة لشخص أو جهة تحمل دلالات الرسالة، حتى وإن افتقرت إلى الطابع البريدي التقليدي الذي تراجع بفعل التكنولوجيا، حيث تتحول هذه الأوراق مع الزمن إلى وثائق تاريخية تحتاج إلى من يقرؤها بعمق.
يتضمن الكتاب إهداءات وجهها لنجيب محفوظ نخبة من الأدباء والنقاد ورجال الدين والسياسة والعسكريين، بالإضافة إلى القضاة والفنانين والمستشرقين والباحثين. ويرى الطاهر أن هذه الإهداءات تسرد تاريخاً غير معروف عن الأديب العربي الوحيد الحائز على نوبل، والذي تعامل مع هذه الأوراق كأجزاء من سيرته الذاتية. ومن أبرز الأسماء التي وردت في الكتاب: مصطفى أمين، وتوفيق الحكيم، ولويس عوض، وأمل دنقل، وسهير القلماوي، وجمال الغيطاني، ومصطفى محمود، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم. ويؤكد المؤلف أن كل إهداء يخفي وراءه قصة، وقد استطاع من خلالها توثيق علاقة محفوظ بالسياسة والدين والثورات، وكيفية نظر المستشرقين إليه، فضلاً عن تواصله مع أجيال من المبدعين والسينمائيين وزوجات الرؤساء، مبرزاً ثراء عوالمه الثقافية من خلال رسائل كبار المثقفين العرب، وما كتبه محفوظ بدوره لمن اعتبرهم أساتذته.
ويكشف الكتاب عن نقاط تلاقٍ فكرية، مثل اتفاق محفوظ مع المفكر خالد محمد خالد حول مفهوم الدولة المدنية، حيث يمتلك محفوظ نسخة من كتاب «الدولة في الإسلام» بإهداء من خالد، مما يشير إلى مرونة الأخير في مراجعة أفكاره. كما يبرز الكتاب إيمان توفيق الحكيم بعبقرية محفوظ في الرواية والقصة، وفي المقابل، يظهر أن لويس عوض كان يحرص على إهدائه كتبه رغم انتقاداته لأدبه. ويشير الطاهر إلى أن غالي شكري كان من أوائل من قيموا أعمال محفوظ بتقدير عميق في كتابه «المنتمي»، متسائلاً عن سبب وجود رؤى نقدية خاطئة تجاه أدب محفوظ رغم وجود نقاد أدركوا جوهره. كما ينقل عن رجاء النقاش قوله إن فهم تاريخ مصر في القرن العشرين يتطلب قراءة أعمال محفوظ، واصفاً إياه في إهدائه بكتاب «أدباء معاصرون» بأنه «ضمير مصر وقلبها النابض»، معبراً عن سعادته بالعيش في عصره. ويختم الطاهر بالإشارة إلى كرم محفوظ في استقبال المبدعين العرب، وشغفه بالفنون المختلفة من سينما ومسرح وموسيقى، واحتفاظه بكتابات عن شخصيات فنية مثل يوسف وهبي.