نشرت مجلة “Nature Communications” في 6 أكتوبر الجاري مراجعة علمية بعنوان “علم الوراثة العصبي النفسي في إفريقيا”. وشارك في إعدادها باحثون مغاربة وأجانب من مؤسسات مختلفة. وتناولت المراجعة واقع البحث في العوامل الوراثية المرتبطة بالأمراض النفسية والعصبية في إفريقيا، وشملت الدعوة إلى زيادة التمويل وتعزيز قدرات الباحثين الأفارقة.
وأوضحت المراجعة أن أكثر من 116 مليون إفريقي كانوا يعانون الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة أو اضطرابات تعاطي المواد قبل جائحة كوفيد-19. كما أشارت إلى أن سنوات العمر المفقودة بسبب الإعاقة المرتبطة بالاضطرابات النفسية ارتفعت بنسبة 52 في المائة بين عامي 2000 و2015، مقابل نمو سكاني بلغ 49 في المائة خلال الفترة نفسها.
وأبرزت المراجعة ضعف الموارد المخصصة للصحة النفسية في القارة، إذ يبلغ متوسط الإنفاق الحكومي نحو 0.5 دولارات للفرد سنويا؛ بينما لا يتجاوز عدد المختصين في الصحة النفسية 1.4 لكل 100 ألف نسمة، مقابل متوسط عالمي يبلغ 9 مختصين. كما تسجل نقصا في استفادة المصابين بالاضطرابات النفسية من الخدمات العلاجية المتخصصة.
وأوردت الدراسة أن عددا من المبادرات الدولية والإفريقية حاولت تحسين خدمات الصحة النفسية وتطوير البحث العلمي خلال السنوات الماضية. كما نبهت إلى أهمية توفير العلاج على أيدي عاملين صحيين أقل تخصصا، تحت إشراف مناسب، لتوسيع نطاق الخدمات في المناطق التي تعاني نقصا في الأطر الطبية.
وفي مجال البحث العلمي، أوضحت المراجعة أن إفريقيا تضم نحو 18.5 في المائة من سكان العالم؛ لكنها لا تستحوذ إلا على 1.3 في المائة من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير. ودعت إلى زيادة الاستثمارات في المختبرات والبحث العلمي وتكوين الكفاءات، بما يسمح للباحثين الأفارقة بالمشاركة بصورة أكبر في تطوير المعرفة العلمية.
وشرحت المراجعة أن العوامل الوراثية المرتبطة بالأمراض النفسية معقدة، إذ يمكن أن تسهم أعداد كبيرة من المتغيرات الجينية في زيادة احتمال الإصابة. وتختلف مساهمة هذه المتغيرات من حالة إلى أخرى؛ فبعضها يرتبط بزيادة محدودة في الخطر؛ بينما قد تكون آثار بعض المتغيرات النادرة أكبر. ومع ذلك، لا تفسر الاكتشافات الحالية جميع العوامل الوراثية المرتبطة بهذه الاضطرابات.
ولفتت الدراسة إلى أن الأبحاث الجينية الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على أشخاص من أصول أوروبية؛ وهو ما يقلل دقة بعض النتائج عند تطبيقها على مجموعات سكانية أخرى، خصوصا المنحدرين من أصول إفريقية. وأكدت أن السكان الأفارقة يتميزون بتنوع وراثي كبير؛ ما يجعل توسيع الأبحاث في القارة ضروريا لفهم هذه الاختلافات وتحسين دقة النتائج العلمية.
واستعرضت المراجعة عددا من المشاريع البحثية التي تعمل على جمع البيانات الوراثية والصحية في دول إفريقية مختلفة؛ ومن بينها مشروع “NeuroGAP-Psychosis”، الذي جمع بيانات 42,953 مشاركا في إثيوبيا وأوغندا وكينيا وجنوب إفريقيا، ومشروع “NeuroDev”، الذي جمع بيانات نحو 5000 طفل يعانون التوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو الإعاقة الذهنية.
وأشار المصدر أيضا إلى توسع قدرات التسلسل الجيني في عدد من الدول الإفريقية؛ لكنه يوضح أن امتلاك مختبرات قادرة على تحليل جينات مسببات الأمراض لا يعني بالضرورة توفر الإمكانات اللازمة لإجراء أبحاث واسعة على الجينوم البشري. كما سجلت تحديات مرتبطة بالإنترنيت والتمويل والتعاون بين المؤسسات البحثية الإفريقية.
وتخلص المراجعة العلمية إلى أن تطوير هذا المجال يتطلب تمويلا مستداما، وتحسين البنية التحتية البحثية، وتوحيد طرق جمع البيانات وإتاحتها، وتطوير قدرات تحليل الجينات، وتعزيز ثقة المجتمعات في الأبحاث. كما أكدت أن تعزيز استقلالية البحث العلمي في إفريقيا لا يعني الانعزال عن المؤسسات الدولية؛ بل بناء شراكات علمية أكثر توازنا، تقود فيها المؤسسات الإفريقية الأبحاث وتشارك في تحديد أولوياتها.
وشارك في هذه المراجعة العلمية الباحثان المرتبطان بمؤسسات مغربية، سعيد بوجراف، من كلية الطب والصيدلة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، ومنية بنسعيد، المرتبطة بمختبر التشريح المرضي بالمستشفى العسكري محمد الخامس والمدرسة الملكية لمصلحة الصحة العسكرية. وقد أُعدت المراجعة بمشاركة باحثين من جنسيات ومؤسسات مختلفة، ويقودها كونراد أو. إييغبي (Conrad O. Iyegbe)، المرتبط بكلية إيكان للطب بمستشفى ماونت سيناي في الولايات المتحدة، والذي تولى المبادرة الرئيسية لإعداد المراجعة وتنسيقها وكتابة مسودتها الأولى.
The post باحثون مغاربة يشاركون في مراجعة علمية حول الأمراض النفسية بإفريقيا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.