نعم ستبقى مصر شامخة، الكل يجتمع على حبها ويفترق على حبها أيضًا.الجميع يجلس فى منتدياتها بغية تقديم أجود ما جادت به قريحته من أجل أن يعلى من شأنها، كل فى مجال تخصصه.لكنها سنة الله فى خلقه، دعوة فاجتماع ثم افتراق، ولكن تبقى مصر الحرة ويبقى الوطن، فمصر وطن يسكننا ونسكن فيه.على مدار ستة أيام وليالٍ عُقد فى العاصمة الإدارية فى فندقها الفاره منتدى مصر الذى دعا إليه رئيس جمهورية مصر العربية كيما تقدم الحكومة كشوف حسابات أمام الشعب المصرى، الذى عيونه تنظر إلى ما سيتمخض عنه هذا المؤتمر من قرارات وتوصيات تصب فى مصلحة جميع المواطنين ولا سيما الطبقة الكادحة التى صبرت واحتسبت وتحملت ما لا تطيقه من أزمات ولا تزال على أتم الاستعداد للتحمل من أجل رفعة شأن هذا الوطن.عينه تنظر إلى ما سيقوله رئيسهم الذى انتخبوه عن طيب خاطر.بدأ المنتدى بافتتاح وانتهى بختام، وما بين الافتتاح والختام جلسات طوال.ما بين متحدث فقيه، ومستمع منصت، ومناقش بارع، وجالس خاشع يهز رأسه هزًا ليس له من أمره شيء، وبين ملتقط للصور التذكارية مع شخصيات عامة قلما ستجمعه بهم مناسبة عامة كهذه، ومن خلفهم علم المحروسة وبانرات المنتدى.وهذا جد أمر جميل ومشهد حضارى يدل دلالة قاطعة وبما لا يدع مجالًا للشك إلى ما وصلنا إليه ووصلت إليه جمهوريتنا العصرية، من حريات تمثلت فى عرض كل الآراء، الكل يتبارى ليعرض رؤيته وتوجهه وتصوراته كل فى مجال تخصصه، السياسى يطرح أفكاره ورؤيته للمشهد السياسى السابق والحاضر وعين الحضور على المستقبل السياسى للبلد.الخبير الاقتصادى يطرح آليات جدولة الديون وخفض حجم الدين الداخلى والخارجى وتقليص سياسة الاقتراض.وآخر يناقش مع أقرانه وسائل النهوض باقتصاد البلد بما يضمن تحقيق حياة اقتصادية آمنة للمواطن يطمئنون معها على مستقبله ومستقبل أولاده.ثم تتجه الأنظار إلى إحدى الجلسات التى تُناقش خلالها قضايا التعليم فى حضور خبراء التعليم، يحاورون وزيرى التعليم الإلزامى والتعليم العالى، ومن أخطر الأطروحات التى سئل عنها وزير التربية والتعليم، حشو المقررات الدراسية، وحذف بعضها، والاهتمام باللغة العربية والتربية الدينية، وآليات النهوض بالتعليم بدءًا من التلميذ، فالبيئة التى تُمارس فيها العملية التعليمية من أبنية تعليمية، من أنشطة وفعاليات طلابية، إلى ضبط المناهج الدراسية، ثم الارتقاء بالمعلم الذى هو حجر الزاوية فى العملية التعليمية، الارتقاء به ماديًا ومعنويًا ورفع راتبه بما يحقق حياة كريمة، مع رعايته رعاية صحية هو وأسرته، مع الاهتمام بتوفير عمالة كافية تحقق النظافة المرجوة للمدارس.كل هذه الأمور ناقشها الوزير، وزير التربية والتعليم، ووضح أمام الحضور ما آلت إليه العملية التعليمية الآن مع شرح وافٍ للنظام الجديد الذى سيُطبق، بديل الثانوية العامة، «نظام البكالوريا».ثم ناقش وزير التعليم العالى، آليات النهوض بجامعات مصر وكيف يمكن أن تتحقق جودة العملية التعليمية، وحديثه عن الجامعات الخاصة، خصوصًا الجامعات التكنولوجية الحداثية التى تُخرّج خريجًا يستطيع التكيف مع سوق العمل.أيضًا تطويرها للوائح الكليات النظرية بالجامعات الحكومية، ومن الأسئلة المهمة التى دارت حولها المناقشات، توفير المنح الدراسية، سواء منح ماجستير أو دكتوراه داخليًا وخارجيًا، وهذا ما أوصى به المنتدى فى جلسته الختامية، إنشاء صندوقٍ تشرف عليه رئاسة الجمهورية للإنفاق على هذه المنح.أيضًا ناقش المنتدى موضوعًا مهمًا جدًا، ألا وهو كيفية النهوض بالأستاذ الجامعى وكيف يمكن توفير حياة كريمة له تدفع عنه العوز والفاقة مما يجعله يتفرغ إلى بحوثه وندواته ومحاضراته.لذلك أوصى المنتدى برفع رواتب الأساتذة كل حسب درجته العلمية.فضلًا عن هذا ناقش التعليم العالى قضية مهمة جدًا، ألا وهى تصنيف الجامعات المصرية ومجلاتها تصنيفًا عالميًا وكيف تحافظ على ما وصلت إليه بل وتتخطاه إلى الأفضل.كما ناقش المنتدى موضوع الكتاب الجامعى التفاعلى وكيف نتحول من الكتاب الورقى إلى الكتاب الإلكترونى فى ظل عالم الرقمنة الذى نعيشه الآن.كما ناقشت الجلسات موضوعًا آخر لا يقل فى الأهمية عن الموضوعات السابقة، هيكلة أجور العاملين فى الدولة وزيادة الحد الأدنى خلال العامين القادمين إلى نسبة تتراوح ما بين ثمانية آلاف جنيهٍ إلى خمس عشرة ألفًا من الجنيهات بما يوفر حياة طيبة للمواطن المصرى.كما تطرقت الجلسات إلى قضية مهمة، الوقود والطاقة وترشيد الاستهلاك حتى لا تضطر الدولة إلى الاقتراض أو إلى قطع الخدمات الحيوية كالكهرباء والمياه ورفع أسعارها.كما تطرقت الجلسات إلى موضوع آخر، موضوع التطوير المستمر للبنية التحتية لمؤسسات الدولة، فبدلًا من الترقيع، قامت الدولة ولا تزال تعمل عملية إحلال وتبديل، بغية إنشاء بنية تحتية قوية تتحمل المخاطر الطبيعية التى من الممكن أن تحدث فى أى وقت كالزلازل والسيول، وغيرها فإذا ما حدثت تكون الأضرار طفيفة.تتبقى معنا القضايا الدينية والثقافية والاجتماعية.وهذا ما سنتناوله فى الجزء الثالث والأخير من ثلاثيتنا عن منتدى مصر.
أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة