تتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي الصوتي نحو تطوير محادثات أكثر طبيعية، تجمع بين سرعة الاستجابة ومحاكاة نبرة الإنسان وإيقاع حديثه، وفي هذا السياق، كشفت شركة "بلوك " (Block)، التي يقودها جاك دورسي، عن نموذجها الصوتي "ديسا " (Dessa)، الذي تقول إنه يتعلم من المحادثات البشرية الصوتية مباشرة، دون الاعتماد على النصوص المكتوبة في التدريب.
وبحسب الموقع الرسمي للنموذج، يهدف "ديسا " إلى محاكاة جوانب من التواصل البشري، مثل الضحك والتوقفات وتغيير نبرة الصوت وسرعة الكلام، بما يجعل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي أقرب إلى المحادثات اليومية، لكن هذه القدرات، التي تظهر في تسجيلات تجريبية، لا تثبت وحدها تفوق النموذج على منافسيه، في ظل الحاجة إلى اختبارات مستقلة تقيس أداءه.
تعتمد بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي الصوتي على تحويل كلام المستخدم إلى نص، ثم معالجة النص وإنتاج إجابة تُحوَّل لاحقا إلى صوت، ورغم فاعلية هذه الطريقة، فإنها قد تفقد بعض الإشارات المصاحبة للكلام، مثل التردد والسخرية والتغيرات الدقيقة في النبرة.
وتقول بلوك إن ديسا دُرّب من الصفر باستخدام المحادثات الصوتية البشرية، دون نصوص مكتوبة أو نماذج مدربة مسبقا، ويتيح هذا النهج للنموذج تعلم أنماط اللغة من الإشارات الصوتية نفسها، بما يشمل نطق الكلمات وتوقيت الاستجابة والعلاقة بين النبرة والمعنى.
وتوضح الشركة أن النموذج يستطيع استخدام الضحك والتوقفات وتغيير مستوى الصوت ضمن المحادثة، كما تعرض تسجيلات تجريبية تتضمن تعبيرات صوتية توحي بانفعالات مختلفة. ومع ذلك، فإن إنتاج صوت يبدو متأثرا أو متحمسا لا يعني بالضرورة أن النظام يفهم المشاعر الإنسانية كما يفهمها البشر؛ إذ يتطلب تقييم هذه القدرة اختبارات أوسع ومستقلة.
من أبرز خصائص ديسا اعتماده تقنية الصوت ثنائي الاتجاه الكامل (Full-duplex)، التي تسمح للنظام بالاستماع إلى المستخدم والتحدث معه بالتزامن، بدلا من انتظار انتهاء أحد الطرفين قبل بدء الآخر.
وتفيد هذه التقنية في محاكاة إيقاع المحادثات البشرية، التي تتضمن المقاطعات أحيانا، وإشارات الموافقة القصيرة، والاستجابة السريعة لما يقوله الطرف الآخر، ووفقا للشركة، يستطيع النموذج تحديد توقيت تدخله في الحديث واستخدام عبارات مقتضبة تدل على المتابعة، مع تقليل التأخير في الاستجابة.
وعلى صعيد البنية التقنية، ذكرت بلوك أنها درّبت النموذج باستخدام نظام حوسبة من طراز "إنفيديا جي بي 200 إن في إل 72 " (NVIDIA GB200 NVL72)، كما أشارت إلى إمكان تشغيله محليا على حاسوب ماك بوك برو المزود بمعالج "إم 4 ماكس " (M4 Max) أو ما هو أقوى منه، وقد يقلل التشغيل المحلي الاعتماد على الخوادم البعيدة، لكن أثره في الخصوصية والتكلفة والأداء يعتمد على طريقة تنفيذ التطبيقات ومعالجة البيانات.
يمكن أن تدعم هذه القدرات تطوير المساعدات الصوتية وخدمات العملاء والتطبيقات التعليمية والواجهات التي تتطلب حوارا مستمرا، فالتفاعل الأسرع والأكثر طبيعية قد يجعل استخدام الأنظمة الصوتية أسهل في بعض المهام، لكنه لا يضمن وحده دقة الإجابات أو جودة الخدمات التي تقدمها.
وتتنافس شركات، من بينها أوبن إيه آي وإليفن لابس، على تطوير أنظمة صوتية أكثر واقعية واستجابة، ويكمن الاختلاف الذي تطرحه بلوك في اعتماد التدريب على الصوت مباشرة، بدلا من الاقتصار على مسارات تجمع بين معالجة النصوص وتوليد الكلام.
لكن تحديد موقع ديسا في هذا السباق يتطلب نشر نتائج اختبارات معيارية مستقلة ومعلومات أوسع عن أدائه، وذكر تقرير موقع تك كرانش أن الشركة كانت تخطط لإتاحة وصول مبكر إلى النموذج لمجموعة محدودة من باحثي سلامة الذكاء الاصطناعي. ولا يعني ذلك أن النموذج أصبح متاحا تجاريا على نطاق واسع.
تثير واقعية الأصوات الاصطناعية مخاوف من استغلالها في انتحال الشخصيات والاحتيال، إذ يمكن استخدام تقنيات توليد الصوت أو استنساخه لتقليد قريب أو مسؤول أو موظف، بهدف دفع الضحايا إلى تحويل الأموال أو كشف بيانات حساسة. وهذه مخاطر عامة مرتبطة بتطور تقنيات الصوت الاصطناعي، ولا تعني أن نموذج ديسا استُخدم فعليا في عمليات احتيال.
ويتطلب الحد من هذه المخاطر الجمع بين تدابير تقنية وتنظيمية، تشمل التحقق من الهوية بوسائل إضافية عند إجراء المعاملات الحساسة، وتطوير أدوات لكشف المحتوى الاصطناعي، وحماية التسجيلات والبيانات الصوتية، وإخضاع النماذج لاختبارات سلامة مستقلة. كما ينبغي توضيح متى يتعامل المستخدم مع نظام اصطناعي وتوفير آليات للإبلاغ عن إساءة الاستخدام.
وتقول بلوك إنها تسعى إلى إشراك باحثين في تقييم المخاطر المحتملة للنموذج، وتمثل هذه الخطوة بداية مهمة، لكنها لا تغني عن نشر نتائج الاختبارات وتوضيح حدود الأداء قبل توسيع الاستخدام.
في المحصلة، يقدم ديسا نهجا بحثيا لافتا في تطوير الذكاء الاصطناعي الصوتي، من خلال تعلم المحادثة من الصوت مباشرة ومحاكاة بعض خصائص التواصل البشري. غير أن الحكم على قيمته العملية سيعتمد على نتائج الاختبارات المستقلة، وكفاءته في الاستخدام اليومي، ومدى فاعلية الضمانات التي تحد من إساءة استخدام الأصوات الاصطناعية.