يعيش قطاع الذكاء الاصطناعي موجة من النشاط المالي غير المسبوق، حيث بلغت قيمة الصفقات والتمويلات المعلن عنها في يوم واحد 235 مليار دولار، وذلك لدعم تطوير النماذج الذكية وتعزيز البنية التحتية للحوسبة. وتطرح هذه التدفقات المالية الضخمة تساؤلات جوهرية حول أثرها على الاقتصاد الأمريكي، وأسواق المال، وصناديق التقاعد، في ظل تحذيرات من مخاطر وجودية محتملة واحتمالات حدوث اضطرابات اقتصادية إذا ما انخفض مستوى الطلب.
وبحسب تقرير صادر عن موقع أكسيوس في 27 أكتوبر 2026، تقدمت شركة أنثروبيك بطلب لإدراج أسهمها في البورصة، في خطوة قد تمهد الطريق لأحد أكبر عمليات الاكتتاب العام في التاريخ، مع توقعات بجمع ما يصل إلى 100 مليار دولار.
وتأتي هذه المبادرة ضمن سلسلة من العمليات المالية الكبرى التي جرت في اليوم ذاته؛ إذ حصلت شركة سبيس إكس على تمويل بالدين بقيمة 40 مليار دولار لاستئجار وحدات معالجة الرسوميات، وهي المكون الأساسي لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بينما أعلنت شركة ميتا عن نيتها الحصول على تمويل قد يبلغ 95 مليار دولار لتوسيع استثماراتها في هذا المجال.
وأشار التقرير إلى أن إجمالي هذه الحركات المالية يصل إلى حوالي 235 مليار دولار في يوم واحد، مما يعكس حجم الرهانات المالية على مستقبل التكنولوجيا، وهي قيمة تتجاوز ما يضيفه قطاع الطيران الأمريكي إلى الاقتصاد خلال عام كامل.
سباق الحوسبة يلتهم المليارات
تُظهر هذه الأرقام تزايد احتياجات شركات الذكاء الاصطناعي إلى رؤوس الأموال، في ظل توسعها السريع في البنية التحتية الحاسوبية ومراكز البيانات، وهو توسع يتجاوز قدرة أي مصدر منفرد لرأس المال على تلبية متطلباته.
ويوضح التزام شركة أنثروبيك باستثمارات تقدر بنحو 750 مليار دولار في قدرات الحوسبة خلال السنوات القادمة حجم الإنفاق المتوقع، حيث يعادل هذا المبلغ تقريبًا سبعة أضعاف المبالغ التي قد تجمعها الشركة من طرح أسهمها للاكتتاب العام.
وفي السياق نفسه، استغرقت جولة التمويل القياسية لشركة أوبن إيه آي، والتي بلغت قيمتها 120 مليار دولار، عدة أشهر لإتمامها، مما يبرز الصعوبات المتعلقة بتوفير التمويلات الهائلة اللازمة لمواكبة التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
مدخرات الأمريكيين في قلب الرهان
لا تقتصر تداعيات هذه الصفقات على المستثمرين المباشرين فحسب، بل تمتد لتشمل شريحة واسعة من الأمريكيين الذين ترتبط مدخراتهم بأداء أسواق الأسهم.
وتُعد شركتا سبيس إكس وميتا جزءًا من المشهد الاستثماري المرتبط بمؤشرات الأسهم الكبرى التي تستثمر فيها صناديق التقاعد الأمريكية، بما في ذلك حسابات التقاعد المعروفة باسم 401(k). ومن المتوقع أن تنضم أنثروبيك إلى هذه المنظومة في حال إتمام طرح أسهمها للاكتتاب العام.
وبالتالي، قد يتأثر ملايين الأمريكيين بنتائج السباق الاستثماري في مجال الذكاء الاصطناعي، حتى دون امتلاكهم أسهمًا مباشرة في هذه الشركات، نتيجة ارتباط مدخراتهم بأداء الأسواق والصناديق الاستثمارية.
مخاطر وجودية وأسئلة بشأن مستقبل الطلب
من ناحية أخرى، تكشف وثائق طرح أنثروبيك، وفقًا للتقرير، عن المخاطر التي تواجهها الشركة، إذ خصصت أكثر من ربع الوثيقة لمناقشتها، محذرة من احتمالات أن يشكل الذكاء الاصطناعي مخاطر كارثية أو وجودية للبشرية، إلى جانب مخاوف من إمكانية لجوء بعض النماذج إلى التلاعب بالأشخاص الذين يستخدمونها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز معضلة رئيسية تتمثل في اعتماد هذه الاستثمارات الضخمة على استمرار نمو الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، وزيادة استخدامها بوتيرة تبرر تكاليف التطوير والتشغيل والبنية التحتية.
وفي حال تباطؤ الطلب أو تراجع الاستخدام، قد تواجه الشركات ضغوطًا مالية متزايدة، بما قد ينعكس على تقييماتها السوقية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الاستثمارية، فضلًا عن التأثير المحتمل على الأسواق والمستثمرين المرتبطين بها.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تقني بين الشركات الكبرى، بل تحول إلى رهان مالي واسع تتداخل نتائجه مع مستقبل الاقتصاد الأمريكي وأسواق المال ومدخرات الأفراد.
ومع تسارع الاستثمارات وتزايد الإنفاق على الحوسبة والبنية التحتية، تتصاعد التساؤلات بشأن قدرة الإيرادات المستقبلية على تبرير هذه الالتزامات، وما إذا كان الطلب سيواصل نموه بالمعدلات المتوقعة، أم أن أي تباطؤ محتمل قد يفتح الباب أمام اضطرابات مالية تمتد آثارها إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.