بعد 28 عاماً من السير عبر قارات العالم وغاباته ومناطق النزاعات فيه، يقترب المغامر البريطاني كارل بوشبي من نهاية واحدة من أطول رحلات المشي المتواصل في التاريخ. قطع خلالها نحو 31 ألف ميل، أي قرابة 50 ألف كيلومتر، منذ انطلاقه من الطرف الجنوبي لتشيلي عام 1998، ليتجه الأسبوع القادم إلى منزل والدته في مدينة هال الإنجليزية. لكن الوصول الذي انتظره عقوداً يحمل سؤالاً إنسانياً مؤلماً: كيف يعود الإنسان إلى بيته بعدما تغيّرت حياته، وكبر أبناؤه، ومرّ الزمن من دون أن يكون حاضراً؟
حلم بدأ ببطاقة ميلاد
ووفقاً لصحيفة " نيويورك تايمز"، لم تبدأ المغامرة بخطة احترافية، بل بفكرة أثارت فضول بوشبي بعدما قرأ بطاقة عيد ميلاد أهداها إليه والده، تناولت نقاشاً حول إمكان السير من لندن إلى نيويورك عبر مضيق بيرينغ. قرر أن يحوّل الفكرة إلى تحدٍّ حقيقي، واضعاً شرطين لنفسه: ألا يستخدم وسائل النقل للتقدم في الرحلة، وألا يعود إلى إنجلترا قبل أن يصل إليها سيراً.
كان بوشبي يعتقد أن الرحلة ستستغرق نحو 12 عاماً، لكنها امتدت إلى 28 عاماً، بسبب الأزمات المالية ومشكلات التأشيرات والحدود المغلقة وجائحة كورونا.
غابات الموت وجليد بيرينغ
عبر بوشبي منطقة دارين الخطرة بين بنما وكولومبيا، حيث واجه غابات كثيفة ومناطق كانت تشهد صراعاً مسلحاً.
كان أحد أخطر مراحل الرحلة، عبور مضيق بيرينغ المتجمد بين ألاسكا وروسيا في مارس 2006 مع شخص يدعى ديمتري كيفر، واستمرت تلك رحلة العبور 14 يوما، تحملا خلالها ظروفًا جليدية قاسية قبل أن تحتجزهما السلطات الروسية عند وصولهما.
ووصف بوشبي البيئة هناك بأنها «حلم للدب القطبي، وكابوس للإنسان»، في إشارة إلى الجليد المتكسر والمياه والبرد القارس.
ولم تنتهِ العقبات عند ذلك؛ ففي عام 2024، اضطر إلى السباحة عبر بحر قزوين للوصول إلى أذربيجان، بعدما أغلقت الخيارات البرية أمامه.
الثمن الذي دفعته الأسرة
لكن أصعب ما في الرحلة لم يكن الجوع أو البرد أو المسافات، بل السنوات التي عاشها بعيداً عن أقرب الناس إليه. لم يرَ والدته وابنه إلا مرات قليلة خلال ما يقرب من ثلاثة عقود، ولديه حفيدة لم يلتقِ بها حتى الآن.
في البداية، واجه ابنه آدم صعوبة في فهم غياب والده، لكنه أصبح داعمًا له بعد لقائه في ألاسكا عام 2004، معربًا عن فخره بإنجاز والده.
وقال بوشبي إن الأشخاص الذين نحبهم أكثر من غيرهم هم من يدفعون ثمن طموحاتنا، مضيفاً أن هذا العبء "يزداد ثقلاً مع مرور الوقت".
ويعترف بأن عليه بذل جهد لتعويض حفيدته عن غيابه الطويل، بينما يدرك أن العودة لن تعيد السنوات التي فقدها.
العودة ليست نهاية الطريق
بعد أن مُنع من عبور نفق المانش سيراً، سبح بوشبي عبر القناة الإنجليزية، وعاد إلى الأراضي البريطانية للمرة الأولى منذ انطلاق رحلته. ويأمل الوصول إلى منزل والدته بحلول الأول من نوفمبر.
لكن العودة تبدو بالنسبة إليه بداية مرحلة جديدة، لا نهاية مغامرة فحسب. فقد تغيّر مفهوم الوطن لديه، وأصبح عليه أن يتعرف مجدداً إلى بلده ويعيد بناء علاقاته.
على الرغم من الإرهاق الجسدي والنفسي، فقد فوجئ بوشبي بكرم الغرباء الذين قدموا له المأوى والطعام والمساعدة في كل ثقافة وبلد زاره.
ومع اقتراب رحلته من نهايتها، يشعر بوشبي بفقدان شيء ما وعدم يقين بشأن مستقبله، ويفكّر في أن يصبح مُعلّمًا للعلوم وأن يواصل نشر رسالته عن اللطف العالمي.