لا تتوقف أهمية إدارة المال العام عند معرفة إيرادات الدولة ونفقاتها خلال عام واحد، بل تمتد إلى القدرة على توقع احتياجاتها والتزاماتها خلال السنوات المقبلة. وفي اقتصاد سوري يعاني محدودية الموارد وتراكم الاختلالات، قد يشكل التنبؤ المالي أداة لتجنب المفاجآت التي تنعكس في النهاية على معيشة المواطن، من تأخر الرواتب إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.
خريطة مالية
وفي تصريح لـ «الوطن»، يوضح الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن التنبؤ الاقتصادي والمالي متوسط المدى هو أداة تتيح لوزارة المالية تقدير الإيرادات والنفقات والعجز أو الفائض والدين العام خلال فترة تمتد عادة من ثلاث إلى خمس سنوات، بدلاً من الاكتفاء بموازنة سنوية.
ويشرح أن هذه الأداة تشبه خريطة طريق مالية للدولة، تقارن بين مواردها المتوقعة واحتياجاتها المستقبلية، وتساعد على اكتشاف الفجوات المالية مبكراً، واتخاذ إجراءات لمعالجتها قبل اللجوء إلى حلول ارتجالية أو التمويل التضخمي.
أثر معيشي
ويشير محمد إلى أن انعكاس هذه التنبؤات على المواطن يبدأ من تحسين إدارة الإنفاق الحكومي، وجعل الموازنة أكثر واقعية، بما يساعد على انتظام الرواتب وتأمين الأدوية والخدمات وتجنب تأجيل المشاريع بسبب نقص الموارد.
كما أن توقع العجز مسبقاً يمنح الحكومة فرصة لاختيار وسائل تمويل أقل تكلفة، كالقروض الميسرة، بدلاً من التوسع في إصدار النقود، ما يحد من الضغوط التضخمية وتقلبات الأسعار. ويسهم وضوح السياسة المالية لعدة سنوات في طمأنة المستثمرين وتقليل مخاوف التغييرات المفاجئة في الضرائب والرسوم، بما يدعم الاستثمار وفرص العمل.
شرطان أساسيان
ويؤكد محمد أن نجاح هذا الإطار يتطلب بيانات دقيقة وشفافة، ونشر التقارير المالية بما يتيح للمواطن معرفة حقيقة موارد الدولة والتزاماتها، معتبراً أنه يمثل تأسيساً لذاكرة مالية للدولة، وركيزة لتعزيز الثقة بين الحكومة والمجتمع.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية ترأس الجلسة الختامية لبعثة صندوق النقد الدولي، التي استعرضت نتائج تطوير إطار التنبؤ الاقتصادي والمالي الكلي وربطه بالموازنة العامة، مع تحديد ستة أشهر لاستكمال التوصيات المتفق عليها، والترحيب بنشر التقرير بعد مراجعته.