أفاد تقرير جديد صادر عن شركة «إيدلمان» بأن السمعة والثقة قد صارت من الدوافع الرئيسية التي تحدد اختيارات المستهلكين في المملكة العربية السعودية، حيث أعرب 92 في المائة من المستطلعين عن أهمية هذين العنصرين عند تقييم العلامات التجارية، في سياق يتزايد فيه التداخل بين سلوكيات الشراء والهوية الذاتية والقيم المجتمعية.
وأوضح «تقرير إيدلمان للثقة 2026»، الذي نُشر يوم الاثنين تحت عنوان «نمو العلامات التجارية في عالم يميل إلى انغلاق الثقة»، أن 75 في المائة من المشاركين في السعودية يرون أن العلامات التجارية التي يشترون منها أو يتجنبونها تعكس بشكل كبير قيمهم وأولوياتهم، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بواقع 14 نقطة مئوية مقارنة بعام 2021.
كما أشار 77 في المائة من المشاركين إلى شعورهم بوجود أواصر مشتركة تربطهم بأولئك الذين يستخدمون نفس العلامات التجارية، بزيادة مماثلة بلغت 14 نقطة مئوية على مدى السنوات الخمس الماضية، مما يعكس تزايد الأبعاد الشخصية والاجتماعية المرتبطة بالسلوك الاستهلاكي.
وبحسب بيانات التقرير، وصلت نسبة المستهلكين الذين يرون أن الثقة بالعلامة التجارية عامل مهم أو حاسم في قراراتهم إلى 92 في المائة، وهي النسبة ذاتها التي حققتها السمعة الجيدة، بينما تصدرت جودة المنتجات والخدمات القائمة بنسبة 93 في المائة.
ولفت التقرير الانتباه إلى الدور المتنامي للدوائر الاجتماعية في توجيه قرارات المستهلكين السعوديين، حيث ذكر 52 في المائة من المشاركين أنهم توقفوا عن استخدام علامات تجارية معينة نتيجة لضغوط اجتماعية وليس بناءً على قناعاتهم الذاتية، في حين بلغ المتوسط العالمي 31 في المائة.
وحلت السعودية، بالتساوي مع الهند، في المرتبة الثانية بين الأسواق المشمولة بالاستطلاع من حيث هذا المؤشر، مما يبرز تأثير العلاقات الاجتماعية وآراء المحيطين في تشكيل المواقف تجاه العلامات التجارية.
وقال أليكس سالم، الرئيس التنفيذي للعمليات في «إيدلمان العربية السعودية»، إن السوق السعودية تشهد تصاعداً في توقعات المستهلكين من العلامات التجارية، موضحاً أن القيم التي تمثلها العلامة التجارية أصبحت ذات أهمية توازي المنتجات والخدمات التي توفرها.
وأضاف سالم أن بناء الثقة يستلزم فهماً أعمق لاحتياجات المستهلكين وهوياتهم، والانتقال من مجرد التعريف بالعلامة التجارية وزيادة انتشارها إلى بناء علاقة تجعل المستهلك يختارها بإرادته لتكون جزءاً من حياته اليومية.
وفيما يخص العوامل التي تقوي ارتباط المستهلك السعودي بالعلامات التجارية، أظهرت النتائج أن القدرة على الابتكار وحل المشكلات وتلبية الاحتياجات جاءت في الصدارة بنسبة 93 في المائة.
وجاء التعبير عن هوية المستهلك وقيمه في المرتبة الثانية بنسبة 89 في المائة، يليه الارتباط باهتماماته ومجتمعه بنسبة 87 في المائة، ثم القدرة على تقديم تجارب ممتعة ومؤثرة عاطفياً عبر المحتوى والإعلانات بنسبة 85 في المائة.
في المقابل، بلغت نسبة أهمية مواكبة الثقافة والاتجاهات الرائجة 82 في المائة، مما يدل على أن المستهلكين يفضلون القيمة العملية التي تقدمها العلامات التجارية، إلى جانب قدرتها على التعبير عن اهتماماتهم وهوياتهم.
وتعكس هذه النتائج تحولاً في معايير المنافسة بين الشركات، إذ لم يعد الانتشار الإعلاني أو ملاحقة الاتجاهات السائدة كافياً لتعزيز مكانة العلامة التجارية، في ظل تزايد أهمية الابتكار وجودة التجربة والقدرة على بناء علاقات طويلة الأمد مع المستهلكين.
وكشف التقرير عن تزايد أهمية التوصيات الشخصية والمراجعات المستقلة في بناء الثقة، حيث اعتبر 38 في المائة من المشاركين في السعودية أن آراء الأشخاص الذين لا يتلقون مقابلاً مادياً من العلامة التجارية، بما يشمل الأصدقاء والمراجعات المنشورة والمجتمعات الإلكترونية، هي العامل الأكثر تأثيراً في استعدادهم للثقة بها.
في المقابل، أشار 22 في المائة إلى أن الرسائل الصادرة عن العلامة التجارية نفسها هي الأكثر تأثيراً في بناء الثقة.
وتفوقت آراء المستهلكين غير المدفوعة على آراء المؤثرين الذين يتلقون مقابلاً من العلامات التجارية، وكذلك على الجهات المستقلة وأدوات ومساعدات الذكاء الاصطناعي.
وتبرز هذه النتائج أهمية السمعة التي تتشكل من تجارب المستهلكين الفعلية، ومدى تأثير التوصيات المتبادلة في قرارات الشراء، مقارنة بالرسائل التسويقية التي تتحكم الشركات في صياغتها ونشرها.
وعلى صعيد المؤشرات الاجتماعية المرتبطة بالثقة، أظهر التقرير أن السعودية جاءت ضمن الأسواق الأقل ميلاً إلى ما وصفه بـ«الانغلاق في الثقة»، وهو مفهوم يشير إلى تردد الأفراد أو إحجامهم عن منح الثقة للأشخاص الذين يختلفون عنهم في المواقف أو القيم أو التوجهات.
وبلغت نسبة هذا المؤشر في السعودية 54 في المائة، مقابل متوسط عالمي قدره 66 في المائة، لتحتل المملكة المرتبة الرابعة بين الأسواق الأقل ميلاً إلى هذا النمط ضمن الدول التي شملها الاستطلاع.
ورغم انخفاض مستوى الانغلاق في الثقة نسبياً، أظهرت النتائج استمرار أهمية الارتباط المحلي في تفضيلات المستهلكين السعوديين، إذ اعتبر 77 في المائة من المشاركين أن وجود المقر الرئيسي للعلامة التجارية داخل المملكة يمثل عاملاً مهماً أو حاسماً عند اتخاذ قرارات الشراء.
وجاءت السعودية، بالتساوي مع الصين، في ثاني أعلى مرتبة عالمياً في هذا المؤشر، ما يعكس أهمية الهوية المحلية في تشكيل تفضيلات المستهلكين، حتى مع الانفتاح النسبي على العلامات التجارية والأشخاص المختلفين.
وتشير نتائج التقرير في مجملها إلى أن المنافسة في السوق السعودية لم تعد تقتصر على الأسعار والجودة، بل باتت تشمل قدرة الشركات على بناء الثقة وترسيخ سمعتها والتعبير عن قيم المستهلكين، إلى جانب تقديم منتجات وخدمات مبتكرة تستجيب لاحتياجاتهم الفعلية.