أكثر ما يثير القلق في الحياة السياسية هو أن تضيق المسافة بين النقاش والتصفيق، فيصبح الاختلاف إحراجاً، والنقد تشويشاً، والسؤال عن جدوى الاختيارات تشكيكاً في أصحابها. عندها قد تمضي القرارات، لكن المجتمع يفقد شيئاً من قدرته على مراجعتها وتصحيحها.
من هنا تبرز الحاجة إلى حياة ثقافية مستقلة، تجعل القرارات والمشاريع موضوعاً للفهم والنقاش. فالسياسة تحتاج إلى من يسأل عن الوجهة، وعن الكلفة، وعن توزيع المنافع، وعن الذين لا تصل أصواتهم إلى طاولة القرار. ويستطيع الأدب والفن والفكر والبحث والصحافة أن يكشفوا من التجربة الإنسانية ما تختزله لغة الأرقام والتقارير.
لكن هذه الأدوار لا تتحقق بمجرد مطالبة المثقفين بالكلام. فقبل الحكم على حضورهم أو غيابهم، ينبغي أن ننظر إلى المساحة المتاحة لأعمالهم: كيف تُنتَج المعرفة؟ وكيف تصل إلى الناس؟ وماذا يحدث حين تتحول إلى نقد مؤثر؟
هناك من يكتب ولا يجد ناشراً، ومن يبحث ولا تتوفر له وسائل العمل، ومن يبدع ولا يجد فضاءً للعرض. وهناك أيضاً من آثر الصمت، أو استبدل استقلاله بالقرب من أصحاب النفوذ. والتمييز بين هذه الحالات ضروري، حتى لا نعفي المنسحب من مسؤوليته، ولا نحاسب من أُغلقت أمامه الأبواب كما لو أنه اختار الغياب.
وفي المقابل، يتحمل المثقف مسؤولية ما يصنعه بالمساحة المتاحة له. فإذا انشغل باعتراف دائرة ضيقة، وظل يخاطب المجتمع بلغة لا تتيح له المشاركة، فعليه أن يسائل طريقته في الحضور. فالمعرفة تكتسب أثراً حين تدخل في حوار مع تجارب الناس، وتقبل أن تختبر أحكامها في ضوء ما يعيشونه.
ولذلك، تتسع هذه المسؤولية خارج الأسماء والمنابر المعتادة. يمارسها المدرّس الذي يفتح باب النقاش، والباحث الذي يشرح نتائج عمله، والفنان الذي يمنح تجربة مهمّشة صوتاً، والشاب الذي يقدّم محتوى معرفياً جاداً، والجمعية التي تتيح للقراءة مكاناً في حيّ بعيد. فالاعتراف بهذه الأدوار يخرج الثقافة من دائرة الوجاهة، ويصلها بالحياة اليومية.
غير أن اقتراب المعرفة من الناس يظل ناقصاً إذا كانت شروط تداولها تكافئ المسايرة وتعاقب الاختلاف. هنا تصبح المسؤولية مؤسساتية: هل يُوزَّع الدعم وفق معايير معلنة؟ وهل تُصان حرية البحث؟ وهل تتسع وسائل الإعلام لرأي يربك الخطاب السائد؟ وهل يستطيع المبدع أن ينتقد جهةً تدعم عمله دون أن يخشى إقصاءه؟
هذه الأسئلة ضرورية، لأن أطراف النقاش لا تملك القوة نفسها. فمن يملك التمويل والتعيين والمنبر أقدر على التأثير ممن لا يملك سوى عمله وصوته. ولهذا، فإن الدعوة إلى شجاعة المثقف تقتضي، في الوقت نفسه، مساءلة المؤسسات عن كلفة الاختلاف التي تفرضها عليه.
ومع ذلك، تبقى حرية التعبير محدودة الأثر إذا لم يجد السؤال مجتمعاً مستعداً لسماعه ومناقشته. ومن هنا نصل إلى المدرسة، حيث تتشكل علاقتنا الأولى بالمعرفة والسلطة والخطأ.
فالطفل الذي يتعلم أن الجواب الصحيح هو ما ينتظره المدرّس قد يكبر وهو يبحث، في كل موقع، عما يريد المسؤول سماعه. أما حين يُدرَّب على الاستدلال والمناقشة ومراجعة رأيه، فإنه يكتسب أدوات يحتاجها لاحقاً بوصفه مواطناً وموظفاً ومنتخباً ومسؤولاً. وهكذا، يتصل ما يحدث داخل الفصل بما يحدث داخل المؤسسة والحزب والإدارة.
لكن المدرسة لا تنهض بالإرادة التربوية وحدها، بل تحتاج إلى موارد، ومدرّسين مؤهّلين، وظروف تعلّم مناسبة، وأسر قادرة على مواكبة أبنائها. لذلك، يتقدم الإصلاح الثقافي مع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي؛ فالفقر يضيّق فرص التعلم والمشاركة، وضعف المعرفة يضاعف صعوبة الدفاع عن الحقوق وتحسين شروط العيش.
ومن هذا الترابط يمكن أن تبدأ سياسة ثقافية قابلة للتقييم: مكتبات يصل إليها الناس، وفنون تجد مكانها في التعليم، وجامعات تمتلك شروط البحث المستقل، وفضاءات للإبداع خارج المدن الكبرى، وإعلام يناقش الأفكار وأصحابها بجدية. وتصبح مساءلة هذه السياسة ممكنة حين نعرف من استفاد، وأين صُرفت الموارد، وما الذي تغيّر في فرص الوصول إلى المعرفة والتعبير.
والغاية هي أن يمتلك المواطن أدوات تكوين رأيه والمشاركة في تقرير مستقبله. لذلك، ينبغي الحذر من التعامل معه باعتباره إنساناً يُصاغ وفق نموذج جاهز؛ إذ يفقد مشروع التحرر معناه حين نحدد للناس مسبقاً كيف يفكرون وإلى أي نتائج يصلون.
هنا يتحدد دور المثقف المستقل: أن يوسّع ما يمكن مناقشته، وأن يضع المسلّمات موضع اختبار، وأن يعيد إلى النقاش من أغفلتهم الحسابات. ومن حقه أن يسائل أهداف المشروع العام وأولوياته، مثلما يسائل وسائل تنفيذه. فالاستقلال الذي لا يسمح إلا بإبداء الملاحظات داخل حدود مرسومة يظل استقلالاً منقوصاً.
إن اتساع المشاريع يضاعف حاجتنا إلى اتساع النقاش حولها. وما ينبغي أن نخافه هو أن تتراكم الأخطاء لأن أحداً لم يجرؤ على التنبيه إليها، أو لأن أحداً لم يشأ أن يسمع. فحق المجتمع في السؤال جزء من قدرته على حماية مستقبله.