تفتح ملفات العقود والمخالفات المالية وسوء الإدارة خلال الفترة الماضية في قطاع النفط أسئلة حول مسؤولية الإدارة عن حماية المال العام، ومدى فاعلية الرقابة على التعاقدات، والنتائج التي يفترض أن تنتهي إليها التحقيقات، ومع تعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً جديداً للشركة السورية للبترول خلفاً ليوسف قبلاوي، تبرز أهمية حسم الملفات التي أثيرت خلال الفترة الماضية، وتوضيح ما ثبت منها وما لا يزال قيد التدقيق، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون.
أضرار بملايين الدولارات في حقول النفط
في آب الماضي، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش نتائج أعمال رقابية استمرت ثلاثة أشهر، بمشاركة 22 مفتشاً، وكشفت عن مخالفات وتجاوزات طالت آليات إنتاج النفط ونقله ومعايرته، وأعمال الصيانة والتعاقدات، إلى جانب ثغرات في الإجراءات الرقابية في عدد من حقول النفط بمحافظة دير الزور.
وبحسب ما نشرته وسائل إعلام، بينها “الوطن”، أشارت النتائج الأولية إلى أضرار بالمال العام تتجاوز 8 ملايين دولار، ناجمة عن التعاقدات وأعمال الصيانة وسوء الإدارة، كما تناولت التحقيقات عقود نقل النفط الخام بين إدارة المنطقة الوسطى والشركات الناقلة، مع تقدير فروق الأسعار بنحو 20 مليون دولار.
ووفق المعلومات المنشورة، شملت الإجراءات كفّ يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء، إلى جانب إجراءات أخرى مرتبطة بالعقود والمتعهدين.
تطرح هذه النتائج أسئلة بشأن آليات الرقابة على عمليات الإنتاج والنقل والتعاقد، وكيف أمكن حدوث المخالفات التي تحدثت عنها الهيئة، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة كافية لمنع تكرارها.
لكن هذه الوقائع، رغم أهميتها، تتعلق بملفات رقابية في قطاع النفط، ولا تكفي وحدها لإثبات مسؤولية إدارة الشركةعنها، ما لم تحدد نتائج التحقيقات علاقته بهذه الوقائع ومسؤوليتها الإدارية أو القانونية بشأنها.
110 ملايين دولار
وفي أواخر أيلول، تصاعد الجدل حول عقود الشركة السورية للبترول، بعد تداول معلومات واتهامات بشأن شبهات فساد واختلاس، ارتبطت بمبلغ 110 ملايين دولار، ما تطلب أمام انتشار هذه المعلومات، إصدار الشركة السورية للبترول، في 26 أيلول، بياناً توضيحياً نفت فيه دقة وصف المبلغ بأنه اختلاس مثبت، مؤكدة أن الرقم لا يمثل أموالاً ثبت اختلاسها أو فقدانها، ولا قيمة العقود محل التدقيق، وإنما تقديراً أولياً للضرر ضمن ملفات لا تزال قيد التحقيق والتدقيق، ولم تصدر بشأنها نتائج نهائية تثبت وجود ضرر فعلي بهذه القيمة أو تحدد المسؤوليات المترتبة عليه.
كما أوضحت الشركة أن العقود المتداولة تختلف في ظروف إبرامها وآلياتها، وأن بعضها أبرم في ظروف استثنائية لحماية المنشآت النفطية، في حين أبرمت عقود أخرى من خلال طلب عروض ومنافسة ودراسة فنية ومالية، وأشارت إلى أن التعاقد بالتراضي جائز ضمن الشروط والضوابط القانونية المحددة، ولا يشكل بحد ذاته دليلاً على الفساد.
وبذلك، فإن مبلغ 110 ملايين دولار يبقى، وفق التوضيح الرسمي المنشور، تقديراً أولياً للضرر في ملفات قيد التحقيق، وليس مبلغاً ثبت اختلاسه، كما أن تحديد المسؤوليات يحتاج إلى نتائج نهائية توضح طبيعة الأضرار، إن ثبتت، والجهات أو الأشخاص المسؤولين عنها.
تغيير الإدارة لا ينهي الأسئلة
اليوم الأحد صدر المرسوم رقم 190 لعام 2026، القاضي بتعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول خلفاً ليوسف قبلاوي، في وقت لا تزال فيه الأسئلة المتعلقة بالعقود والتقديرات المالية المتداولة بحاجة إلى إجابات واضحة، إلا أن صدور قرار التعيين لا يثبت بحد ذاته أن تغيير الرئيس التنفيذي جاء بسبب ملفات الفساد، إذ لم يرد في المرسوم المنشور ما يحدد أسباب التغيير أو يربطه بالتحقيقات الجارية.
ومن هنا، فإن انتقال المسؤولية التنفيذية إلى إدارة جديدة ينبغي ألا يعني إغلاق الملفات التي أثيرت خلال الفترة السابقة، بل يطرح ضرورة استكمال التدقيق والتحقيق، وإعلان النتائج التي تسمح للرأي العام بمعرفة حقيقة المخالفات، إن ثبتت، وحجم الأضرار الفعلية، والمسؤوليات الإدارية والقانونية المترتبة عليها.
من يحاسب المسؤولين ؟
إن التعامل مع شبهات الفساد في قطاع حيوي كالنفط لا يكتمل بمجرد الإعلان عن تحقيقات أو تغيير المسؤولين، بل يتطلب الوصول إلى نتائج واضحة ومعلنة، تميز بين المخالفات الإدارية، والأضرار المالية المثبتة، والمسؤوليات الشخصية التي يمكن أن تترتب عليها مساءلة قانونية.
فإذا أثبتت التحقيقات وجود أضرار بالمال العام أو مخالفات في العقود، فمن حق المواطنين معرفة حجمها النهائي، وكيف وقعت، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما الإجراءات التي اتخذت لاسترداد الأموال أو معالجة الضرر، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون، أياً كان موقعه الوظيفي.
وفي المقابل، فإن العدالة تقتضي عدم تحويل التقديرات الأولية أو الاتهامات المتداولة إلى أحكام بالإدانة قبل استكمال التحقيقات وصدور النتائج المختصة.
ومع تعيين رئيس تنفيذي جديد للشركة السورية للبترول، يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل ستستكمل التحقيقات في ملفات العقود والمخالفات التي أثيرت خلال الفترة السابقة حتى إعلان نتائجها النهائية، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من تثبت إدانته، أم ستبقى الأرقام المتداولة والشبهات المثارة من دون حسم يوضح للرأي العام حقيقة ما جرى ومصير المال العام؟