أوضحت أحداث الشغب التي ضربت القارة الأوروبية، وتحديداً فرنسا، أن الأزمات تتناوب على الجميع، فاليوم قد تكون في موقع القوة وغداً في موقع الضعف. وقد أظهرت هذه التطورات أن من كانوا يجلسون على مقاعد آمنة لمتابعة الأحداث وتحليلها، بل وإصدار الأوامر بشأن ما يجري في العديد من الدول العربية والعالمية، كان عليهم إدراك أن المتفرج قد يتحول فجأة، بين ليلة وضحاها، إلى طرف تتوجه إليه الأنظار، وهو ما يحدث حالياً.
أما أولئك الذين كانوا كلما اشتعلت الأزمات في الشرق الأوسط، أو تفاقمت الأوضاع في أمريكا الوسطى، أو شهدت كوبا وشمال أفريقيا اضطرابات، يخرجون أدواتهم التحليلية متعاليين، ويلبسون ثوب الطبيب لتشخيص الأعراض التي يصفونها بـ"الديكتاتورية وغياب الحريات والفقر وما شابه من أوجاع"، فإنهم يجدون أنفسهم اليوم عاجزين عن تشخيص أوضاعهم، أو مترددين في ذكرها، ربما لأن أسبابها أكثر قسوة وإيلاماً مما كانوا يوصفون.
إذا كانت فرنسا فعلاً رمزاً للازدهار، وهي التي يتصدر شعارها "حرية ومساواة وأخوّة"، فلماذا يقوم أبناؤها بتخريب ما صادفوه من منشآت، ويدفعون بمدن كبيرة نحو فوضى عارمة؟ وإذا كان شعار سويسرا الذي تفخر به "الاتحاد والشجاعة والاستقلال والسلام والحياد"، فلماذا يسعى أبناء هذا البلد "الحلم" إلى تحويله إلى كوابيس تهز استقرار سويسرا، التي كانت الإشادات المبالغ فيها بها تجعلنا نظنها ملاكاً مطهراً من الخطأ، أو جنة الخلود الموعودة للصبراء من المعذبين في الأرض؟
تستعرض الصحف الفرنسية يومياً عناوين تثير الشفقة، مثل "الخريف المرعب" و"العاصفة التي لا تهدأ" و"الطوفان الجارف"، في محاولة للبحث عن مفردات شتوية مظلمة ومؤلمة للتعبير عن أحداث باريس والمدن الفرنسية الأخرى. هذه الأحداث فرضت على الدولة اللجوء إلى إجراءات كانت تستخدمها كذريعة لعتاب دول أخرى تستنجد بحالة الطوارئ وحظر التجوال. وكانت فرنسا منذ نحو 15 سنة تطلق على كل مظاهرة في ليبيا، أو طلقة نار في سوريا، أو زرع قنبلة في اليمن وغيرها، وصف "الربيع العربي"، حتى سرت هذه العبارة وسادت في كل مكان، وصار الربيع مرادفاً للفوضى والدم والدموع.
الآن، وقد أصبحنا في خندق واحد من حيث الهموم، مع اختلاف في التوقيت والجغرافيا، هل آن الأوان لهم أن يقتنعوا بأن من يتحسس الشوك هو من يدوسه فقط؟
لطالما احتضنت فرنسا الخارجين عن قوانين بلدانهم تحت مسمى الحرية والديمقراطية، ورفضت تسليم حتى أولئك الذين تسببوا في الدمار، لتكتوي اليوم ببعض مما كانت تسميه زوراً "حرية".
قدمت أوروبا للبشرية منذ منتصف القرن الثامن عشر فوائد جمة عبر ثورتها الصناعية، بدءاً من آلات البخار وصولاً إلى عالم التكنولوجيا، ومن الإجحاف عدم الاعتراف بما قدمته في جميع المجالات. لكن الغرور دفعها إلى احتلال البلاد الآمنة واحتقارها واعتبارها نموذجاً للتخلف، فاتسعت الهوة بين أوروبا وبقية الشعوب المنتمية لما يُسمى العالم الثالث، بينما الحقيقة أن الجميع قد يكونون في العالم الثالث أو ربما الأخير.