شهدت أبحاث أمراض القلب تقدماً ملحوظاً مع نجاح فريق بحثي كندي في ابتكار منهجية علمية تتيح توليد نماذج قلبية مصغرة وقادرة على النبض داخل المختبر، مستندة إلى عينات دم مأخوذة من المرضى. وتهدف هذه المبادرة إلى الإجابة عن تساؤلات جوهرية حول أسباب تفاوت فعالية العلاجات، حيث تستجيب فئة من مرضى قصور القلب للعلاج وتتحسن حالتهم، بينما لا يحقق العلاج ذاته النتائج المرجوة لدى آخرين يعانون من الأعراض نفسها.
وأوضحت جامعة ماكغيل، في بيان صادر يوم الاثنين 2 نونبر 2026، أن هذه المنهجية تعتمد على مفهوم "القلب في طبق"، الذي يدمج بين تقنيات الهندسة الخلوية وأحدث أساليب التصوير المجهري. وتتيح هذه التقنية للعلماء فحص الخصائص البيولوجية الدقيقة لخلايا القلب الخاصة بكل مريض على حدة، وكشف تباينات دقيقة قد تظل خفية عند استخدام الأدوات البحثية التقليدية.
تتضمن آلية العمل سحب عينة دم من المريض، ثم إعادة برمجة جزء من خلاياها لتتحول إلى خلايا جذعية، قبل توجيهها لتتطور إلى خلايا عضلية قلبية تحتفظ بالحمض النووي الجيني للفرد. وبعد ذلك، يقوم الباحثون بجمع هذه الخلايا لتكوين أنسجة قلبية صغيرة تتمتع بقدرة الانقباض والنبض في بيئة المختبر، مما يوفر إمكانية محاكاة جوانب من المرض واختبار تفاعل الخلايا مع مركبات علاجية متنوعة، دون الحاجة إلى تعريض المريض مباشرة لتجارب دوائية غير مؤكدة.
استهدفت الدراسة التمهيدية خلايا مستخلصة من مريضين مصابين باعتلال عضلة القلب التوسعي، وهو اضطراب يتسبب في اتساع عضلة القلب وتراجع كفاءتها في ضخ الدم، بالإضافة إلى متطوعين اثنين يتمتعان بصحة جيدة. ولتحقيق ذلك، اعتمد الفريق على مجهر متطور تم تثبيته في الجامعة عام 2024، والذي أتاح مراقبة نشاط الأنسجة القلبية بدقة على مستوى الخلايا المنفردة، وتسجيل الفروق الطفيفة في تفاعلها مع المحفزات المختلفة.
من أبرز ما كشفته النتائج الأولية، رصد استجابة غير متوقعة من خلايا مأخوذة من مريضة لأحد الهرمونات، على الرغم من أن هذا الهرمون لم يكن معروفاً سابقاً بتأثيره الإيجابي على وظائف القلب في هذا السياق المحدد. في المقابل، لم تُسجل الاستجابة ذاتها لدى المريض الآخر أو لدى المتطوعين الأصحاء. وفي هذا الصدد، صرح البروفيسور تيري هيبيرت، المشرف على الأبحاث، بأن هذه الملاحظة الأولية قد تفتح الباب أمام تحديد أهداف علاجية جديدة، وتساهم في فهم التباينات البيولوجية الكامنة في أمراض القلب، بما في ذلك الفروق المحتملة بين الجنسين، مشيراً إلى أن ذلك لا يزال في طور الاستكشاف ولا يشكل دليلاً قاطعاً على نجاح علاج جديد.
يتجه الفريق البحثي حالياً نحو توسيع نطاق التجارب، بعد أن نجح بالفعل في إنتاج خلايا قلبية انطلاقاً من عينات وراثية جُمعت من 40 شخصاً، سعيًا لاستكشاف طيف أوسع من الاستجابات وتحديد العوامل التي تؤثر في نجاعة العلاجات. ويأمل العلماء أن تؤدي هذه الأبحاث مستقبلاً إلى تصميم علاجات مخصصة تتوافق مع البصمة البيولوجية لكل مريض، مع التأكيد على أن التقنية لا تزال في مرحلة البحث المخبري، ولم تُثبت بعد قدرتها على تحسين النتائج العلاجية في إطار التجارب السريرية.