لعلّ عدوى «السينيفيليا»، أو الولع بالسينما، قد أصابتكم كما أصابتني، فصرتُ أستهلك القصص الجاهزة بكل ما تحمله من مؤثرات، حتى إن الفيلم بالكاد يترك لي متسعاً لمحاورته، أو لأن يحاورني، قبل أن أنتقل إلى فيلم آخر على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة. كان ذلك، في قيظ هذا الصيف الأحمر، وسيلة لطيفة لمراوغة اليأس الذي تخلّفه الأخبار المتلاحقة، وتمضية وقت لا يتطلب عناءً كبيراً بعد يوم طويل في أروقة المستشفى. وهكذا انتزع هذا الولع الطارئ شيئاً من متعة قراءة الروايات. وما أعادني إلى القراءة هذه المرة لم يكن كاتباً، ولا مراجعة نقدية، بل عنواناً.
وقعتُ على قائمة روايات مرشحة لجائزة لاغاردير للأدب العربي، المرتبطة بمعهد العالم العربي في باريس، فتوقفت أمام رواية «الثوب» للكاتب الكويتي طالب الرفاعي. لكن ما استرعى انتباهي أولاً كان عنوان ترجمتها الفرنسية: L’impossible roman de l’honorable Monsieur K. وجدتني أتساءل: كيف تحوّل «الثوب» إلى «الرواية المستحيلة»؟ بدت لي المسافة بين العنوانين أوسع من مجرد انتقال بين لغتين. فالثوب يحيلنا إلى الجسد والهوية والانتماء، إلى ما نرتديه وربما ما نرثه، بينما يضعنا العنوان الفرنسي مباشرة أمام مأزق الكتابة: رواية يُفترض أن تُكتب، لكن شروط كتابتها تكاد تجعل ولادتها مستحيلة. ولعلّ الرواية، في مجملها، تقيم في هذه المسافة الفاصلة بين العنوانين.
فالثوب لا يكسو أجسادنا فحسب، بل قد يكون أيضاً ما تنسجه فينا التنشئة الاجتماعية، خيطاً بعد خيط، حتى يغدو جزءاً من كينونتنا. نكبر، ثم نكتشف أن كثيراً مما حسبناه اختياراً شخصياً قد رُسم لنا قبل أن نمتلك حتى لغة الاختيار. قد يضيق الثوب أو يتسع، نحاول تعديله أو خلعه، لكن بعض الأثواب تتحول مع الزمن إلى جلد ثانٍ، تقول عنا، قبل أن نتكلم، شيئاً عن موقعنا وذوقنا وانتمائنا، وعن الصورة التي يُراد لنا أن نكون عليها. وهنا يحضر بيير بورديو، تقريباً من دون استدعاء، بمفهوم «الهابيتوس» Habitus de Habitat ou de Habit: تلك الترسبات التي تتركها البيئة الاجتماعية في اللغة والذوق والسلوك، وفي علاقتنا بالحب والسلطة والنجاح والإخفاق. المدرسة، الحي، الأسرة، أصدقاء الطفولة، ما كان جائزاً وما كان محظوراً. كلها تبقى حاضرة حتى في أكثر قراراتنا حريةً وتفكراً. وهذا ما يجعل شخصيات «الثوب» مثيرة للاهتمام. عواطف، خالد، بدور، طالب، شروق، مي.. تبدو كأنها تختار مصائرها بنفسها، لكنها تتحرك داخل مسرح اجتماعي سبق أن رُسمت بعض خطوطه. وحتى التمرد قد يكون ابن البيئة التي يتمرد عليها. وحتى عليّان (بالرغم من علوّه) الصوت الباطني في الوعي واللاوعي، لا يقف تماما خارج اللعبة. لكن للرواية ثوباً آخر وهو ثوب الكتابة إذ يُطلب من طالب الرفاعي أن يكتب سيرة وفق شروط محددة، لقاء أجر مغرٍ، مستنداً إلى مادة تُعطى له سلفاً، على ألا يسمح للخيال أو للذاتية بأن يبتعدا بها عمّا يريده صاحب التكليف. وهنا تبدأ الورطة. ليست الأزمة أزمة الصفحة البيضاء أو السوداء التي يعرفها أي كاتب جيداً. إنها من نوع آخر. المادة موجودة، والمطلوب واضح، والشروط محددة. ومع ذلك تبدو إمكانية تحويل هذه المادة إلى أدب موضع شك. ولكأن الكاتب وجد نفسه بدوره داخل ثوب جديد وهو ثوب المهنة وثوب السوق وثوب العقد. ومن هنا يصبح السؤال أعمق من مجرد القدرة على الكتابة، ما الذي يبقى من رمزية عمل الكتابة إذا رُسمت له حدود المادة وحدود استخدامها؟ وماذا يفعل بخبرته وخياله وقدرته على التأويل والتحليل؟ فكاتبنا طالب الرفاعي ذو مكانة معروفة في الأدب الملتزم بمواضيع اجتماعية دقيقة تناولت الفئات المهمشة. فكيف له اليوم أن يتحول إلى كاتب مأجور لسيرة رجل أعمال كبير؟ ويزداد المأزق تعقيداً حين يبدأ صاحب المشروع، السي «خالد» ـ Monsieur K ــ بالخروج بنفسه عن شروط الاتفاق. تنزلق لقاءاتهما شيئاً فشيئاً إلى منطقة شخصية، ويسترسل خالد في الحديث عن حياته الخاصة، حريصاً كل مرة على القول إن ما يرويه لا علاقة له بالكتاب. وهنا تحدث المفارقة الأولى، إن المادة الروائية الأكثر حيوية تبدأ بالتشكّل من الكلام الذي قيل إنه «خارج الكتاب». يبوح خالد بجرحه القديم، بنظرة زوجته عواطف وأسرتها المتعالية إليه، وبحاجته إلى حبها وإعجابها، يتحول ما لم يُؤذن للكاتب باستعماله إلى أكثر ما يصلح لأن يكون مادّة للكتابة. فتتخذ استحالة الكتابة شكلاً من أشكال المأزق الأخلاقي، لم تعد المسألة: ماذا يستطيع الكاتب أن يكتب؟ بل: ماذا يحق له أن يكتب؟ هل يستطيع أن يفصل بين ما سُمح له باستخدامه وما أصبح، بعد سماعه، جزءا من معرفته بالإنسان أمامه؟ وهل يكفي أن يُقال له إن هذا الكلام «خارج الكتاب» كي يتوقف عن أن يكون مادة أدبية؟ من هذه الزاوية يبدو اختلاف العنوانين أكثر دلالة وأقل غرابة، «الثوب» يدخل بنا من باب الهوية والمجتمع، فيما يضع العنوان الفرنسي فعل الكتابة ومأزق الكاتب في الواجهة. طريقتان لقراءة الرواية ضمن تناقد منطقي ظاهر. وقد يكون كل عنوان قد اختار قارئه أيضاً. ولم يكن اختلاف العنوان وحده ما أغراني بالقراءة، كان ثمة اختلاف آخر، جغرافي هذه المرة. فأنا أشعر بأن قراءة رواية عربية من بلد عربي لم أزره نوع من اختبار القراءة والانتماء معاً. كأنني أدخل بيتاً من بيوت لغتي. أعرف هندسته الخارجية، لكنني أجهل ترتيب غرفه الداخلية. أتعرف عبر الرواية إلى الناس وحساسياتهم، إلى ما يعدونه بديهياً وما يعتبرونه محظوراً، وإلى علاقتهم بالعائلة والمال والوجاهة والحب والذاكرة. للرواية هنا فضل لا تؤديه الأخبار ولا الصور السريعة لإنها تجعل «العربي الآخر» أقل تجريداً. والكويت التي عرفتها من حكايات من ذهبوا إليها بحثاً عن عمل وحياة أفضل، ومن قصص الأقارب والمصاهرات، فتحت لي الرواية باباً آخر إليها، باباً يقود إلى عمقها الاجتماعي والإنساني. ربما لهذا أحببت «الثوب»، لأنها تتركنا أمام سؤالين متوازيين: كيف نصير ما نريد، ونحن نحمل في داخلنا ما صاغه الآخرون؟ وكيف يكتب الكاتب ما يريد، إذا كان عليه أن يكتب داخل ما رسمه الآخرون؟ وأي رواية تلامسنا لا تمنحنا جواباً جاهزاً، بل تمنحنا وقتاً للتفكير ولقراءات متعددة. فأيّ نص، إذن، بين عنوانين نقرأ؟ وأيّ مجازفة نحن مستعدّون لخوضها؟