تخطّي إلى المحتوى
الأحد، 25 أكتوبر 2026
عاجل
الاتحاد السعودي: جاهزية كاملة لاستضافة النصر أمام الوصل الإماراتي محافظ البحر الأحمر يترأس اجتماع اللجنة العليا للاستثمار لمراجعة 80 مشروعًا برشلونة يستضيف ريال مدريد في الكلاسيكو اليوم الأحد تحذير رسمي من اضطراب جوي واسع في سوريا يبدأ الثلاثاء ويستمر حتى السبت الاتحاد السعودي يؤكد اكتمال استعدادات استقبال الوصل قبل قرار التأجيل هبوط تاريخي للجنيه المصري يثير مخاوف من موجة غلاء جديدة محافظ الشرقية يوجّه بتكثيف الرقابة على الأسواق ودعم التعداد السكاني «عِلم» تتولى الشراكة الرئيسية في قمة الأمن والتقنية العالمية 2026 ليبيا تستأنف عمل مصفاة البريقة ومعمل الغاز وتضخ 60 مليون قدم مكعب للشبكة مصر تستقبل 15 مليون سائح منذ مطلع 2026 وتؤكد تمسكها بهدف 20 مليوناً الاتحاد السعودي: جاهزية كاملة لاستضافة النصر أمام الوصل الإماراتي محافظ البحر الأحمر يترأس اجتماع اللجنة العليا للاستثمار لمراجعة 80 مشروعًا برشلونة يستضيف ريال مدريد في الكلاسيكو اليوم الأحد تحذير رسمي من اضطراب جوي واسع في سوريا يبدأ الثلاثاء ويستمر حتى السبت الاتحاد السعودي يؤكد اكتمال استعدادات استقبال الوصل قبل قرار التأجيل هبوط تاريخي للجنيه المصري يثير مخاوف من موجة غلاء جديدة محافظ الشرقية يوجّه بتكثيف الرقابة على الأسواق ودعم التعداد السكاني «عِلم» تتولى الشراكة الرئيسية في قمة الأمن والتقنية العالمية 2026 ليبيا تستأنف عمل مصفاة البريقة ومعمل الغاز وتضخ 60 مليون قدم مكعب للشبكة مصر تستقبل 15 مليون سائح منذ مطلع 2026 وتؤكد تمسكها بهدف 20 مليوناً

الكتاب يقرأ من شكله

قبل خمسة وستين عاما أصدر الشاعر والروائي الفرنسي ريمون كينو، كتيّبا من عشر صفحات في كل صفحة سونيتة من أربعة عشر سطرا. إلى هنا يبدو الخبر عاديا، ولكن عنوان الكتيب يصدمنا «مئة ألف مليار قصيدة» وللوصول إلى هذا الرقم الخيالي قسّم كينو صفحات كتيّبه إلى شرائط ورقية يمكن تقليب كل شريط و...

25 أكتوبر 2026 7 د للقراءة 41
الكتاب يقرأ من شكله

قبل خمسة وستين عاما أصدر الشاعر والروائي الفرنسي ريمون كينو، كتيّبا من عشر صفحات في كل صفحة سونيتة من أربعة عشر سطرا. إلى هنا يبدو الخبر عاديا، ولكن عنوان الكتيب يصدمنا «مئة ألف مليار قصيدة» وللوصول إلى هذا الرقم الخيالي قسّم كينو صفحات كتيّبه إلى شرائط ورقية يمكن تقليب كل شريط وحده ومن هذه التقليبات تظهر كل مرة قصيدة جديدة، حتى نصل إلى هذا الرقم المرعب الممكن حسابيا (¹⁴10) أي مئة ألف مليار قصيدة. فهو يتيح للقارئ بآلية مادية إنتاج عدد من القصائد لا متناهٍ فكأنه شريك في إبداع القصيدة، وإن كان محكوما بالحدود التي رسمها كينو من خلال أسطره الـ140.

هذه المحاولة لجعل شكل الكتاب جزءا من العملية الإبداعية وشريكا كاملا فيها، كانت هاجس كثير من الكتاب، فهناك من جعل من الكتاب ورقة واحدة مطوية وبعضهم جعله صندوقا نُخرج منه ملازم نعيد ترتيبها، كما اعتمد غيره الورق الشفاف لقراءة ما تحت الورقة، وهي كلها تجارب الغاية منها إشراك الشكل في إنتاج المعنى، مع ملاحظة ضرورية أن ليس كل إخراج جميل، أو غريب هو مساهم في موضوع الكتاب، وحتى على صعيد تبسيطي كم من غلاف أنيق ومميز لكن لا علاقة له بالمحتوى، لذلك يجدر بنا طرح سؤال اختباري: ماذا نخسر إذا لم نعتمد هذا الشكل المختلف للكتاب، فإذا فقدنا شيئا من إيقاعه أو بنائه فنحن أمام شكل ليس صرعة غريبة، بل إضافة بنيوية لمضمون الكتاب نفسه تترك أثرا في فعل القراءة.

وهذا الهاجس بجعل شكل الكتاب توأما سياميا لمضمونه ليس جديدا، فهناك تجارب عديدة سابقة لفكرة ريمون كينو لعل أشهرها قصيدة «رمية النرد لن تلغي الفرصة أبدا» لستيفان مالارميه واحد من أشهر شعراء فرنسا، فقبل مئة وثلاثين سنة نشر قصيدته لا بالشكل المعتاد، حيث تقرأ سطرا بعد سطر، بل حوّل صفحة الكتاب إلى نص يُقرأ ويُرى وذلك من خلال كسر الترتيب الخطي للقراءة حيث وزع كلمات القصيدة على الصفحة في مواضع مختلفة، وترك بينها فراغات تنتج المعنى تماما كما تنتجه الكلمات، كما لجأ إلى تنويع الخطوط وأحجامها فكتب بعض الكلمات صغيرة وأخرى كبيرة، فأصبح المعنى يرى قبل أن يقرأ، واعتمد الصفحات المزدوجة المتقابلة لا الصفحة الواحدة، وكأننا أمام مسرح حوّل القصيدة إلى مشهدية بصرية «فموضوع القصيدة هو ملاحٌ على متن سفينة غارقة يرمي النرد في لحظة عاصفة. التوزيع البصري للكلمات يحاكي اضطراب البحر، وتناثر الحطام، وتقلّب الفرصة»، وأضاف مالارميه كوكبة من النجوم في نهاية القصيدة تقابل رمية النرد، فهذه القصيدة/الكتاب لا تلغي شكل الكتاب التقليدي، بل تعيد تعريفه كمساحة متعددة الإمكانيات وليست ملازم من ورق محصورة بين جدارين هما غلافها السميك. وحتى قبل تجربة مالارميه في «رمية النرد» بأكثر من قرنين أصدر الروائي الإيرلندي لورنس ستيرن رواية بعنوان «حياة وآراء تريسترام شاندي»، أدرج فيها عند موت إحدى شخصيات الرواية صفحة سوداء، وصفحة أخرى بيضاء يدعو فيها قارئ روايته لرسم صورة شخصية أرملة من الرواية، فغدت الصفحة السوداء حدادا بصريا بينما أشركت الصفحة البيضاء القارئ في الكتابة، وقد اعتبر الناقد إبراهيم العريس هذه الرواية مؤسسة للحداثة الأدبية «تختصر كل ما سبقها وتمهد لما سيجيء بعدها من حكايات»، وهكذا تحولت صفحة سوداء في كتاب إلى أداة تصنع تجربة شعورية.

ولا تنقص الشواهد على تجارب كثيرة أرادت كسر نمطية الكتاب في شكله المعروف ومن أكثرها خروجا عن المألوف ما فعله الروائي الأمريكي مارك زي. دانيلوفسكي في روايته «بيت الأوراق» (2000)، حيث جعل شكل الكتاب جزءا من الحكاية. فهي رواية تدور في منزل تتجاوز أبعاده الداخلية حدوده الخارجية، وتنفتح فيه ممرات غامضة ومتغيرة أشبه بمتاهة، فأدخل الكاتب قارئه في متاهة مماثلة حيث «تتوزع الكلمات في اتجاهات مختلفة، وتتداخل الهوامش والتعليقات، وتتفاوت الخطوط، وتظهر صفحات مكتظة وأخرى شبه فارغة. يضطر القارئ أحيانا إلى تدوير الكتاب، أو مغادرة المتن لمتابعة حكاية جانبية في الهامش». ولو طُبعت الرواية في فقرات تقليدية، لفقدت جانبا أساسيا من معناها وتجربتها.

ولا يمكن الكتابة عن الكتّاب الذين جعلوا شكل الكتابة في صميم عمليتهم الإبداعية من دون التوقف عند آن كارسون الحائزة جائزة نوبل لهذه السنة، فلم يكن الربط بين مضمون الكتاب وشكله عرضيا عندها حيث كررت هذه العملية في عدة مؤلفات لها، ذكرنا مثالا لها في مقالنا السابق عنها «حين شرعت في صنع دفتر ذكريات تلصق فيه صورا عائلية وقصاصات رسائل وذكريات وكتابات.. وقد طُبع الدفتر بطريقة تحاكي شكله الأصلي أي شريط ورقي مطويّ كالأكورديون داخل علبة، يحتفظ بصريا بآثار القصّ واللصق والتمزّق»، فالصفحات المطوية ليست مجرد ابتكار طباعي، بل تتماثل مع ذاكرة تنفتح تدريجيا، من دون كشف جميع الأسرار، فكلما فتح القارئ صفحات مطوية اكتشف معلومات عن أخيها مايكل وتعرّف عليه، من دون أن يرسم صورة مكتملة له فآن كارسون نفسها معرفتها بأخيها مجتزأة، وحتى قصيدة كاتولوس، التي استعانت بها الكاتبة نجدها لا تكتفي بترجمتها، بل تفكك كلماتها اللاتينية وكأنها من خلال فهمها للغة القصيدة القديمة، تفهم غياب أخيها الطويل، ثم موته من دون أن تجد لأسئلتها إجابات. وعمدت كارسون إلى تجربة مغايرة لإشراك القارئ في العملية الإبداعية من خلال شكل الكتاب في كتابها «الطفو» Float الذي طبع في علبة شفافة تحوي 22 كتابا مستقلا يحوي نصوصا شعرية ومقالات وترجمات وأعمالا أدائية، يستطيع القارئ أن يبدأ بأي كتيّب شاء، من دون أن تفرض عليه ترتيبا معيّنا، فله الحرية في اختيار مساره فيختلف تبعا لذلك السياق الذي يتلقّى فيه النصوص، من دون إغفال أن القارئ له حرية محدودة تتمثل في ترتيب مسار القراءة لا تأليف العمل نفسه، وقد استغرق تصميم كتاب «الطفو» عامين كاملين ليقول لنا بطريقة غير مباشرة، إن الكتاب الورقي لم يستنفد كل إمكاناته بظهور المنتجات الرقمية فبإمكانه أيضا أن يشبه النصوص الرقمية التشعبية، مع الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست من اختراع كارسون ففي سنة 1969 أصدر ب.س. جونسون رواية «التعساء» في صندوق يحتوي 27 قسما ورقيا غير مجلد ثبّت فيه القسم الأول والأخير فقط وترك الأقسام الـ25 المتبقية حرة متشظية تماشيا مع موضوع الكتاب، لتُقرأ في تعاقب غير منتظم. يضاف إلى هذين التجربتين عند آن كارسون ما قامت به في إعادة صياغة وترجمة مسرحية أنتيغونا لسوفوكليس Antigonick ، حيث طبعت النص بخط يدوي ترافقه رسوم الفنانة بيانكا ستون على صفحات شفافة، الشيء اللافت أن الرسوم ليس لها ارتباط دائم وواضح بالنص، فقد وُزعت على النص عشوائيا حتى لا تتحول إلى شرح بصري للمسرحية، «فحين يقلب القارئ الصفحة الشفافة، يرى الصورة والنص في علاقة تتغير حسب موضع الصفحة. وقد يجد رسما لا يفسر الحدث الذي يقرأه، فيضطر إلى البحث عن علاقة محتملة بينهما»، فتتعدد مستويات القراءة (قراءة الكلمات، تأمل الصورة، البحث عن علاقة بينهما) فالرسم ليس تابعا للنص، بل هو مستقل نسبيا فاتحا باب التأويل على مصراعيه.

قد تنجح هذه التجارب في إشراك شكل الكتاب في مضمونه من خلال خلق وظيفة للشكل تتجاوز تقديم النص وتيسير قراءته، فيشارك في تنظيمه وتوجيه تلقيه، ولكنها تفتح الآن أعيننا وأكثر من أي وقت مضى، تفرض علينا التفكير في توسيع مهمة الكتاب الورقي، من وعاء حافظ للكلمات إلى شريك فعلي في ظل تهديد حقيقي من الأوعية الرقمية وما تستبطنه من إمكانات هائلة للتجدد والتغير، وإعادة التشكّل، عسى أن لا تبقى النماذج السابقة مجرد تجارب فردية لا تملك آليات التحول إلى صيغ ثابتة، فقبل أكثر من قرن نبهنا الشاعر الفرنسي مالارميه «الكتاب ليس صندوقا من الكلمات، ولا كيسا من الكلمات، ولا حاملا للكلمات… الكتاب هو تسلسل زماني – مكاني من اللحظات».

شاعرة وإعلامية من البحرين

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن